وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
الآثار الصحيحة في سيادة مريم على نساء العالمين:
أخرج البخاري في «صحيحه» كتاب أحاديث الأنبياء (الرقم: 3432)مصدر غير محددحديث رقم ٣٤٣٢ ومسلم (الرقم: 2430)مصدر غير محددحديث رقم ٢٤٣٠ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ، وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ».
وجاء في «الصحيحين» (البخاري: 3433، مسلم: 2431) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ، وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ».
وأخرج الترمذي في «سننه» (الرقم: 3878)مصدر غير محددحديث رقم ٣٨٧٨ وصححه عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ العَالَمِينَ: مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ».
ضبط القراءات والروايات المتواترة:
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ﴾: كسر التاء لالتقاء الساكنين، وكسر الكاف في ﴿اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ﴾ خطاباً لمريم عليها السلام.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الاصطفاء الأول: اصطفاء بالقبول الحسن والتفرغ للعبادة في المعبد وكفالة زكريا ونزول الرزق الكرامي عليها.
التطهير: تطهير من الشرك، والرذائل، والآثام، ومن دنس دم الحيض والنفاس وعوارض الأرحام المعتادة.
الاصطفاء الثاني: اصطفاء نوعي فريد على سائر نساء العالمين بأن وهبها الله ولداً نبياً من غير وساطة زوج ولا مسيس بشر، وجعلها آية خالدة للعالمين.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تتويج تكريم مريم وتبرئتها الصارمة من بهتان اليهود:
بعد أن عرض قصة زكريا ويحيى، رجع السياق إلى مريم عليها السلام ليعلن وثيقة التطهير والاصطفاء الإلهي الأعظم لها؛ ليرد القرآن رداً قاصماً على فرية اليهود الذين اتهموها بالفاحشة والإثم، وعلى غلو النصارى الذين جعلوها إلهاً وأماً للإله؛ فقرر أنها أَمَة صديقة مطهرة مصطفاة مكرمة بالعبودية لله رب العالمين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة: هل مريم نبية؟:
ذهب ابن حزم والقرطبي وطائفة من الظاهرية إلى نبوة مريم لخطاب الملائكة لها في الآية.
المحاكمة العقدية والتحقيق عند جمهور أئمة أهل السنة (ابن تيمية، وابن كثير، والنووي، والجمهور): مريم صديقة وليست بنبية رسول؛ لقوله تعالى الصريح في سورة يوسف: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ ولقوله في سورة المائدة: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾، فقرنها بمرتبة «الصديقية» وهي أعلى مراتب الولاية بعد النبوة، وتكليم الملائكة لها كان إلهاماً وبشارة كرامة كما كلمت الملائكة سارة ووالدة موسى وعمران بن حصين من الصحابة دون أن يكونوا أنبياء.