أخرج ابن أبي حاتم في «تفسيره» (الرقم: 2912)مصدر غير محددحديث رقم ٢٩١٢ وابن جرير الطبري (6/170)مصدر غير محدد٦/١٧٠حسن بإسناد حسن عن ابن عباس ومحمد بن إسحاق في الآية قالا: «نزلت في عيسى بن مريم وفي وفد نجران؛ بيّن الله لهم أن عيسى ممن صُوِّر في الرحم، وانتقل من نطفة إلى علقة إلى مضغة، وخلقه الله كيف شاء ذكراً كاملاً، فكيف يكون إلهاً من صُوِّر في ظلمات الأرحام وخرج من مخرج البول والدم؟!».
وجاء في «الصحيحين» (البخاري: 3208، مسلم: 2643) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ إِلَيْهِ المَلَكَ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ...».
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
يُصَوِّرُكُمْ: التصوير هو جعل الشيء على صورة وشكل وهيئة مخصوصة تميزه عن غيره، والصورة هي المظهر الخارجي والداخلي المتناسق من ملامح الوجه، ولون البشرة، وطول القامة، وتركيب الأعضاء.
كَيْفَ يَشَاءُ: تعليق التصوير بالمشيئة المطلقة؛ ذكراً أو أنثى، جميلاً أو دونه، تام الخلق أو ناقصاً، أسود أو أبيض، سوياً أو سقيماً.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الضربة القاضية لدعوى ألوهية المسيح بالبرهان البيولوجي المحسوس:
تدرج النظم القرآني من الأعم إلى الأخص:
في الآية (5): قرر إحاطة علمه بكل شيء في السماء والأرض.
وفي الآية (6): نزل إلى أضيق وأخفى موطن حسي: بطون الأمهات وظلمات الأرحام، ليقرر أنه هو المصور فيها وحده؛ وعيسى عليه السلام قد مكث في رحم مريم جنيناً وصُوِّر وتغذى بدم الحيض وولِد، فكان هذا أعظم تنزيه لذات الله عن أن تلحقها صفات الجنين أو تماثلها عوارض المخلوقين.
ختم الآية بنفي الإلهية عما سواه وتسميته بـ «العزيز» الذي لا يغالب، «الحكيم» في تصويره وتقديره لرد كل وهم وتثبيت التوحيد الخالص.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف يكون عيسى صورة في الرحم وهو كلمة الله؟:
المحاكمة العقلية والشرعية: كونه «كلمة الله» معناه أنه خُلِق بكلمة الله التكوينية ﴿كُنْ﴾ دون وساطة ماء رجل، وليس معناه أنه جزء من ذات الله أو أنه الإله، وتصويره في رحم مريم ونموه كالأجنة برهان عياني قاطع على حدوثه ومخلوقيته وافتقاره التام إلى الخالق المصور جل وعلا.
إظهار لعظمة الإرادة الإلهية؛ فمع تشابه النطف ووحدة الأرحام وتماثل عناصر الغذاء، تخرج مليارات الوجوه والصور والملامح والأصوات والبصمات متباينة لا يتطابق منها اثنان تطابقاً تاماً، وهذا من أبدع براهين القدرة والوحدانية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الرضا بالصورة وتقدير الخالق:
يورث المؤمن رضاً تاماً بما قسم الله له من هيئة، ولون، وقامة، وشكل، فلا يعترض على خلقة الله، ولا يسخر من خلقة غيره؛ لأن العائب للصورة عائب للمصور جل في علاه.