أجمع القراء العشرة على فتح تاء وألف ﴿تَنَالُوا﴾ مضارع منصوب بلن بحذف النون والواو فاعل، وكسر باء ﴿الْبِرَّ﴾ ونصب الراء مفعولاً به، وضم تاء وفاء ﴿تُنفِقُوا﴾ في الموضعين، وتنوين ﴿شَيْءٍ﴾ بالجر بعد من الزائدة (التيسير للداني، ص٨٨)مصدر غير محدد٨٨.
أسباب النزول وسياق الأثر:
نزل هذا التوجيه الرباني العظيم ليربي النفوس المؤمنة على بذل أنفس الأموال وأحبها في سبيل الله لنيل أعلى مراتب الجنة وكمال البر.
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب الزكاة، باب الإنفاق مما يحب، رقم: ١٤٦١)مصدر غير محددحديث رقم ١٤٦١ ومسلم (كتاب الزكاة، رقم: ٩٩٨)مصدر غير محددحديث رقم ٩٩٨ عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالاً من نخل، وكان أحب أمواله إليه بَيْرُحَاءَ، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، فلما أنزلت هذه الآية: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وإن أحب أموالي إليّ بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بَخٍ! ذلك مالٌ رابح، ذلك مالٌ رابح! وقد سمعتُ ما قلتَ، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه".
وروى عبد الرزاق في مصنفه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "تلوت هذه الآية فنظرت في مالي فما وجدت شيئاً أحب إليّ من جارية رومية لي، فقلت: هي حرة لوجه الله، ولولا أني أعود في شيء جعلته لله لنكحتها" (تفسير ابن كثير، ج٢، ص٧٥)تفسير القرآن العظيمابن كثير٢/٧٥.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
لن تنالوا
النيل هو البلوغ والوصول وإدراك الشيء المطلوب وحيازته، و"لن" لنفي البلوغ في المستقبل ما لم يتحقق الشرط.
البر
كلمة جامعة لكل خصال الخير والتقوى، والمراد بها هنا كمال ثواب الإيمان والجنة والرضوان الإلهي الأكبر.
حتى تنفقوا مما تحبون
النفقة هي إخراج المال في سبيل الله، و"مما تحبون" أي من كرائم الأموال وأحبها إلى النفوس من نقد وعقار ومتاع، لا من الرديء والخسيس.
وما تنفقوا من شيء
"من" لاستغراق الجنس وتوكيد النفي أو الشرط؛ أي قليلاً كان المنفق أو كثيراً.
فإن الله به عليم
عليم بنياتكم ومقاصدكم ومقادير ما أنفقتم، وسيجازي عليه بأوفى الجزاء.
لَن تَنَالُوا الْبِرَّ
لن حرف نفي ونصب واستقبال، تنالوا مضارع منصوب بحذف النون والواو فاعل، البر مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة.
حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ
حتى حرف غاية وجر، تنفقوا مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى بحذف النون والواو فاعل، مما اللام للابتداء أو من حرف جر وما اسم موصول في محل جر متعلقان بتنفقوا، تحبون مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل والجملة صلة الموصول والعائد محذوف تقديره (تحبونه)، والمصدر المؤول من أن والفعل مجرور بحتى متعلق بتنالوا.
وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ
الواو استئنافية شرطية، ما اسم شرط جازم مبني في محل نصب مفعول به مقدم لتنفقوا، تنفقوا فعل الشرط مجزوم بحذف النون والواو فاعل، من شيء جار ومجرور في محل نصب حال أو تمييز لـ "ما".
فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ
الفاء رابطة لجواب الشرط، إن حرف توكيد ونصب، الله اسمها، به جار ومجرور متعلقان بعليم، عليم خبرها مرفوع، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تناسب في غاية الدقة مع ختام الجزء السابق: انتهى الجزء الرابع ببيان بطلان فداء الكافر بملء الأرض ذهباً ﴿فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَىٰ بِهِ﴾؛ فبيّن الله هناك أن ذهب الأرض كله لا يشتري النجاة لمن كفر، ثم افتتح هذا الجزء الخامس ببيان كيف يشتري المؤمن الجنة والرضوان ببذل ما يحبه من ماله في دار الابتلاء قبل فوات الأوان ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾؛ فانعقدت المقارنة بين إنفاق ينفع صاحبه ويبلغه أعلى درجات الجنان، وبين إنفاق وفداء باطل لا يزن عند الله جناح بعوضة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة شح النفس واعتراض البخلاء على الإنفاق:
يزعم البخيل أن حفظ المال أحوط للعيش وأن التصدق بالأحب إضاعة للثروة!
المحاكمة العقلية وتزكية النفس:
١. طبيعة المال: المال وسيلة لا غاية، وحقيقته أنه ظل زائل يتركه الإنسان لورثته أو تلتهمه النكبات، والمال الحقيقي الذي يملكه الإنسان هو ما قدمه لآخرته كما في الحديث الصحيح: "يقول ابن آدم: مالي مالي! وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت؟!".
٢. التحرر من عبودية المادة: إنفاق ما تحبه النفس يكسر شوكة الشح ويداوي داء الأنانية، ويرتقي بالإنسان من حضيض عبودية الدرهم والدينار إلى سماء العبودية للرحمن الرحيم، وهو عين "البر" الذي لا يُنال إلا بهذا الاختبار الصادق (إحياء علوم الدين للغزالي، دار المعرفة، ج٣، ص٢٥٠؛ مدارج السالكين لابن القيم، ج٢، ص١١٥).
التعبير بـ ﴿مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ واستعمال "مِن" التبعيضية؛ تيسير ورحمة بالمؤمنين؛ إذ لم يكلفهم بإنفاق كل ما يحبون بل بإنفاق "بعض" ما يحبون ترويضاً للنفوس.
إيقاع اسم الله ﴿عَلِيمٌ﴾ في التذييل تطميناً للمنفق بأن أدق التضحيات وخفايا الصدقات لا تضيع عند الله، بل هي مكتوبة محفوظة ومثمنة بأعظم المضاعفات.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الدعوي والتربوي:
سرعة استجابة الصحابة الكرام للقرآن؛ فبمجرد نزول الآية سارع أبو طلحة وابن عمر وزيد بن حارثة إلى التصدق بأنفس ما يملكون دون تردد.
أولوية الأقارب في الصدقة والإحسان كما وجه النبي صلى الله عليه وسلم أبا طلحة: "إني أرى أن تجعلها في الأقربين".
الوجدان الإيماني:
تذوق حلاوة البذل لله؛ فالمؤمن يشعر بفرحة غامرة حين يجود بأحب مقتنياته في سبيل الله، موقناً بأن ما عند الله خير وأبقى.