أجمع القراء العشرة على رفع ﴿كُلُّ﴾ مبتدأ، ورفع ﴿ذَائِقَةُ﴾ خبراً وهي مضافة إلى ﴿الْمَوْتِ﴾ بالكسر، وضم تاء وفتح واو وفاء مشددة ﴿تُوَفَّوْنَ﴾ مبنياً للمجهول، وضم زاي وكسر حاء ﴿زُحْزِحَ﴾ مبنياً للمجهول، وكسر تاء ﴿الْحَيَاةُ﴾ وضمها بحسب الإعراب (التيسير للداني، ص٩٣؛ النشر، ج٢، ص٢٥٥).
سياق الأثر:
إعلان دستوري كوني يقرر الحقيقة الوجودية الكبرى التي لا يماري فيها عاقل: حتمية الموت على كل ذي روح، وفناء كل مخلوق، وانحصار الفوز الحقيقي الخالد في النجاة من النار ودخول الجنة، وتعرية حقيقة الدنيا بأنها متاع خادع زائل.
أخرج ابن أبي حاتم وابن جرير الطبري (ج٥، ص٩٨٥)مصدر غير محدد٥/٩٨٥ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجي بثوبه، جاءهم آتٍ لا يرونه ويسمعون صوته، فقال: السلام عليكم يا أهل البيت ورحمة الله وبركاته، كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة، إن في الله عزاءً من كل مصيبة، وخلفاً من كل هالك، ودَرَكاً من كل فائت، فبالله فثقوا وإياه فارجوا، فإن المصاب من حُرم الثواب، فكانوا يرون أنه الخضر عليه السلام".
وأخرج مسلم في صحيحه (كتاب الإمارة، رقم: ١٨٤٤)مصدر غير محددحديث رقم ١٨٤٤ وأحمد عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أحب أن يُزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأتِ إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
كل نفس ذائقة الموت
النفس تشمل كل ذي روح وحياة من إنس وجن وملائكة وسائر الدواب؛ وذوق الموت تذوق مرارته وسكراته ومفارقة الجسد.
توفون أجوركم
تأخذون جزاء أعمالكم كاملاً غير منقوص؛ والتوفية أخذ الشيء وافياً تاماً.
زحزح عن النار
الزحزحة هي التنحية والإبعاد الشديد بمشقة ودقة عن الشيء؛ مأخوذ من زحزحه إذا دحرجه وباعده خطوة خطوة عن الهوة السحيقة.
فقد فاز
الفوز هو الظفر بالمطلوب الأسمى مع النجاة من المرهوب المخوف.
متاع الغرور
المتاع هو الشيء الحقير القليل الذي يستمتع به صاحبه ثم يزول ويبلى، والغرور هو الخديعة والباطل الذي يغر الإنسان بظاهره البرّاق وحقيقته فانية زائلة.
كُلُّ نَفْسٍ
كل مبتدأ مرفوع بالضمة وهو مضاف، نفس مضاف إليه مجرور بالكسرة.
ذَائِقَةُ الْمَوْتِ
ذائقة خبر المبتدأ مرفوع بالضمة وهو اسم فاعل مضاف، الموت مضاف إليه مجرور بالكسرة (أو مفعول به على التنوين).
وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ
الواو عاطفة أو حالية، إنما كافة ومكفوفة تفيد الحصر، توفون مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون والواو نائب فاعل، أجوركم مفعول به ثانٍ والكاف مضاف إليه.
يَوْمَ الْقِيَامَةِ
ظرف زمان متعلق بتوفون.
فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ
الفاء استئنافية، من اسم شرط جازم مبتدأ، زحزح ماض مبني للمجهول في محل جزم فعل الشرط ونائب الفاعل مستتر، عن النار متعلق بزحزح.
وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ
معطوف على زحزح، الجنة مفعول به ثانٍ منصوب بنزع الخافض أو على التوسع.
فَقَدْ فَازَ
الفاء رابطة لجواب الشرط، قد حرف تحقيق، فاز ماض وفاعله مستتر، والجملة في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر المبتدأ من.
وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا
الواو استئنافية، ما نافية مهملة. الحياة مبتدأ، الدنيا نعت مرفوع بضمة مقدرة.
إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ
إلا أداة حصر، متاع خبر المبتدأ مرفوع بالضمة وهو مضاف، الغرور مضاف إليه مجرور بالكسرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص القرآني هو ذروة الموازين العقلية والحقائق الكونية في القرآن الكريم؛ فبعد الحديث عن المعارك والشهداء ومكر الكفار وبخل الباخلين وافتراءات اليهود، رفع القرآن الستار عن الحقيقة المطلقة التي يتساوى عندها الجميع: (كل نفس ذائقة الموت)! سيموت النبي، وسيموت الشهيد، وسيموت الكافر، وسيموت البخيل، وسيموت المنافق؛ والكل صائرون إلى القيامة لتوفية الأجور. ثم عرف الفوز الحقيقي تعريفاً مانعاً قاطعاً: الفوز ليس في جمع الأموال، ولا في نيل المناصب، ولا في السلامة المؤقتة في أحد، بل الفوز الحصري هو: (من زحزح عن النار وأدخل الجنة).
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
المحاكمة العقلية لمعيار "الفوز والخسارة" في الوجود البشري:
تضع الآية المقياس الحقيقي لتقييم الحياة البشرية رداً على المعايير المادية الدنيوية الزائفة؛ فالماديون يعتبرون الفائز هو من جمع الملايين وعاش متمتعاً بالشهوات، والمخفق هو من قُتل في سبيل مبدئه أو عاش فقيراً! فبين القرآن بسفسطة هذا المقياس: كيف يُسمى فائزاً من يستمتع بمتاع زائل مدة خمسين أو سبعين سنة ثم يخلد في نار جهنم أبد الآباد؟! وكيف يُسمى خاسراً من يفقد دنياه الفانية ليرث نعيماً مقيماً لا ينفد في الفردوس الأعلى؟! فالفوز يدور مع الخلود لا مع العوارض الزائلة (مفاتيح الغيب للرازي، ج٩، ص١٣٥؛ جامع البيان للطبري، ج٥، ص٩٨٨).
الاستعارة في (ذائقة الموت): شبه الموت بشراب مر المذاق لا بد لكل ذي روح أن يتجرع كأسه، وفي التعبير بالذوق إشارة إلى مباشرة الإحساس بسكراته وآلامه.
الجرس الصوتي واللفظي في ﴿زُحْزِحَ﴾: تكرار حرفي الزاي والحاء المجهورين والرخوين يجسد حركة التخليص الشاق المتعسر والإنقاذ من حافة الجحيم وهيبتها، فكأن العبد يُنتشل انتشالاً من بين لهيبها.
أسلوب الحصر والقصر في ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾: قصر موصوف على صفة؛ لتجريد الدنيا من كل قيمة ذاتية حقيقية إلا بمقدار ما يتزود منها للآخرة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قِصَر الأمل والزهد في المظاهر الدنيوية؛ فالكل راحلون والزاد التقوى.
العمل الجاد للفوز الأكبر: النجاة من النار ودخول الجنة، وجعل هذا الهدف هو البوصلة الحاكمة لكل سكنات الحياة وحركاتها.