وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
القراءات المتواترة والتوجيه:
أجمع القراء العشرة على فتح همزة ﴿أَنَّ﴾ المشددة في موضع رفع خبر لجزاؤهم، وكسر تاء ﴿لَعْنَةَ﴾ منصوبة اسماً لأن مؤخراً، وعليكم جار ومجرور خبر أن مقدماً، وجر ﴿وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ بالعطف على لفظ الجلالة (إعراب القرآن للنحاس، ج١، ص٣٧٥)مصدر غير محدد١/٣٧٥.
أسباب النزول وسياق الأثر:
بيان للجزاء الصارم النازل بهؤلاء المرتدين المعاندين الذين كفروا بعد قيام الحجة؛ وهو استحقاقهم للطرد والإبعاد من رحمة الله واجتماع اللعنات عليهم من سائر الخلائق.
قال مجاهد وقتادة: "تلعنهم الملائكة ويلعنهم الناس جميعاً يوم القيامة حين يقفون بين يدي الله وتظهر مخازيهم وينفضح كفرهم وظلمهم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
أولئك
اسم إشارة للبعيد إشعاراً بسفال درجتهم وبعدهم عن رحمات الله.
جزاؤهم
المقابل العادل لأعمالهم وردتهم.
لعنة الله
الطرد الساحق والإبعاد عن كل رحمة وفضل.
والملائكة والناس أجمعين
إجماع الملائكة والخلائق كلها على الدعاء عليهم بالطرد والخزي؛ لأن الكافر المرتد مفسد في الوجود يستحق مقت الجميع.
أُولَٰئِكَ
اسم إشارة مبني في محل رفع مبتدأ أول.
جَزَاؤُهُمْ
مبتدأ ثانٍ مرفوع والهاء مضاف إليه.
أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ
أن حرف توكيد ونصب، عليهم جار ومجرور خبرها مقدم، لعنة اسمها مؤخر منصوب، والله مضاف إليه، والمصدر المؤول من أن واسمها وخبرها في محل رفع خبر المبتدأ الثاني (جزاؤهم)، والجملة الاسمية خبر أولئك.
وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
معطوفان على لفظ الجلالة مجروران، وأجمعين توكيد معنوي مجرور بالياء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تقرير للعقوبة المترتبة على الجناية المذكورة في الآية السابقة: لما بين شناعة ردتهم ﴿كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾، ناسب أن يعاقبوا بأشد العقوبات المعنوية والاجتماعية في الوجود؛ وهو أن يصبحوا ملعونين منبوذين من الله ورسله وملائكته والبشرية قاطبة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف يلعنهم "الناس أجمعين" ومن الناس كفار وأقارب يوالونهم؟:
المحاكمة العقلية والتوجيه البياني:
١. لعنة الناس أجمعين متحققة يوم القيامة؛ فحين تنكشف الحقائق يلعن الكفار بعضهم بعضاً: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨]، وتتقطع بهم الأسباب، فيتبرأ التابع من المتبوع ويشتركون جميعاً في لعن أئمة الضلال والردة.
٢. أو المراد بالناس هنا: أهل الإيمان والعدل؛ لأنهم هم الناس على الحقيقة الذين يعتد بقولهم ورأيهم، كما يقال "أجمع الناس على كذا" والمراد أهل العلم والفضل.
٣. أو المراد أن كل طائفة من البشر تلعن الظالمين الكاذبين بالجملة والعموم، وهؤلاء داخلون قطعاً في عموم الظالمين الملعونين عند جميع بني آدم (زاد المسير لابن الجوزي، ج١، ص٤١٥)مصدر غير محدد١/٤١٥.