أخرج ابن جرير (6/218)مصدر غير محدد٦/٢١٨ وابن أبي حاتم (الرقم: 2963)مصدر غير محددحديث رقم ٢٩٦٣ عن عكرمة ومجاهد وقتادة في الآية قالوا: «دأبهم: عادتهم وسنتهم وسيرتهم وصنيعهم؛ صنع هؤلاء الكفار من قريش ويهود المدينة كصنيع آل فرعون وقوم نوح وعاد وثمود؛ كذبوا الرسل فحل بهم بأس الله».
ضبط القراءات والروايات المتواترة:
قوله تعالى: ﴿كَدَأْبِ﴾: قرأ الجمهور بالهمز الساكن: ﴿كَدَأْبِ﴾، وقرأ ورش في أحد أوجهه بإبدال الهمزة ألفاً مدية: ﴿كَدَابِ﴾.
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
كَدَأْبِ: الدَّأْب في لسان العرب هو العادة المستمرة والشأن والملازمة والملاعبة للشيء، مأخوذ من دَأَبَ في العمل إذا اجتهد فيه وتتابع عليه حتى صار له سجية وعادة مألوفة.
فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ: الأخذ هنا هو الاستئصال والعقوبة القاصمة السريعة، والباء سببية؛ أي أهلكهم بسبب ذنوبهم وتكذيبهم لا ظلماً لهم.
شَدِيدُ الْعِقَابِ: صفة مشبهة مضافة لمعمولها تفيد ثبوت الشدة والصرامة في مجازاة المعاندين؛ فإذا نزل عقابه لم يدفعه سلطان ولا مال.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
سنة التاريخ والربط المصيري بين الطغاة:
ضرب القرآن المثل بآل فرعون والأمم السالفة كعاد وثمود؛ لبيان وحدة المصير البشري؛ فالسنن الإلهية لا تحابي أحداً: من تشابهت مقدماته وسلوكه وتكذيبه، تشابهت نتائجه ونهايته؛ ففرعون كان أعظم ملكاً وأقوى جنداً من كفار مكة ويهود خيبر، فلما كذب أغرقه الله وجنوده في اليم في ساعة واحدة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إفلات الظالمين وطول أمد الباطل:
يغتر بعض الناس بإمهال الظلمة وبقاء سطوتهم مدة من الزمان.
المحاكمة التدبرية: الإمهال سنة ربانية للاستدراج وإقامة الحجة، ثم يعقبه الأخذ القاصم: ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾، كما قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (رواه البخاري: 4686).
في الكلام تشبيه بليغ بحذف المبتدأ ووجه الشبه؛ تقديره: حال هؤلاء وصنيعهم في التكذيب وحلول العقاب بهم كعادة وشأن آل فرعون؛ لتقريب المشهد بأقصر عبارة وأبلغ تصوير.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قراءة التاريخ بميزان القرآن:
على الدعاة والمربين ألا ينظروا إلى صعود الإمبراطوريات الطاغية بعين الدهشة والانبهار، بل بعين السنن الإلهية؛ فكل حضارة تبنى على الكفر والظلم محكوم عليها بالانهيار والزوال المحتوم.