قرأ الجمهور بفتح ميم ﴿مِتُّمْ﴾ وقرأ نافع والكسائي وأبو جعفر ويعقوب بضمها، وقرأ حفص وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحمزة بكسرها، وتسكين نون ﴿وَلَئِن﴾ مع إظهارها أو إدغامها بغنة، وقرأ حفص عن عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي: ﴿يَجْمَعُونَ﴾ بياء الغيبة إشارة إلى الكفار وحطامهم، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب: ﴿تَجْمَعُونَ﴾ بتاء الخطاب للمؤمنين أو للناس كافة (النشر في القراءات العشر، ج٢، ص٢٤٨؛ التيسير، ص٩١).
سياق الأثر:
موازنة إيمانية ربانية تسقط كل حسابات أهل الدنيا؛ فالمنافقون يخوفون المسلمين من الموت والقتل في الجهاد، فرد الله تعالى بأن القتل والموت في سبيل الله ليسا خسارة ولا ح حرماناً، بل هما التجارة الرابحة التي يظفر بها العبد بأعظم مطلوب: مغفرة الذنوب والرحمة التامة التي تفوق الدنيا وما فيها.
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب الجهاد، باب لغدوة في سبيل الله، رقم: ٢٧٩٢)مصدر غير محددحديث رقم ٢٧٩٢ ومسلم (رقم: ١٨٨٠)مصدر غير محددحديث رقم ١٨٨٠ عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لَغَدْوَةٌ في سبيل الله أو رَوْحَةٌ خيرٌ من الدنيا وما فيها".
مما يجمعه أهل الدنيا من حطامها الفاني وذهبها وفضتها وتجاراتها.
وَلَئِن
الواو استئنافية، اللام موطئة للقسم، إن حرف شرط جازم.
قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
قتلتم فعل ماض مبني للمجهول في محل جزم فعل الشرط، والتاء نائب فاعل، في سبيل الله جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بقتلتم.
أَوْ مِتُّمْ
معطوف على قتلتم.
لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ
اللام واقعة في جواب القسم المحذوف (وهي تسد مسد جواب الشرط)، مغفرة مبتدأ مرفوع بالضمة، من الله جار ومجرور نعت لمغفرة.
وَرَحْمَةٌ
معطوف على مغفرة مرفوع بالضمة.
خَيْرٌ
خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
مِّمَّا يَجْمَعُونَ
جار ومجرور نعت لخير أو متعلق به، ما موصولة وجملة يجمعون صلتها، والضمير العائد محذوف تقديره يجمعونه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
مقابلة بديعة حاسمة لما قرره المنافقون؛ لما قالوا: (لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا) حرصاً على البقاء لجمع حطام الدنيا، جاء الرد الإلهي الصاعق: هب أنهم قتلوا أو ماتوا في سبيل الله، فماذا خسروا؟ لم يخسروا إلا دنيا حقيرة فانية يجمعها الناس بالحرص والكدح، وظفروا في مقابلها بمغفرة من الله ورحمة ورضوان خير مطلق من كل ما جمعه ويجمعه الأولون والآخرون من زخرف الأرض! فشتان بين الثمن الزهول والربح المخلد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
المحاكمة العقلية بين حقيقة الموت في سبيل الله والموت على الفراش:
يحاكم القرآن العقل البشري محاكمة مجردة: الموت غاية حتمية لا ينجو منها كائن حي، فإما أن يموت الإنسان في سبيل ربه فيظفر بالمغفرة التامة والرحمة المقيمة، وإما أن يموت في بيته لاهياً جامِعاً للمال ثم ينقطع عنه ماله ويبقى عليه وزره! فأي العاقلين أهدى سبيلاً وأعظم ربحاً؟ العقل يوجب اختيار الفوز الأبدي على المتاع القليل الزائل (مجموع فتاوى ابن تيمية، ج١٤، ص١٦٠؛ زاد المسير، ج١، ص٣٤٥).