قرأ حمزة والكسائي وخلف العاشر: ﴿وَقُتِلُوا وَقَاتَلُوا﴾ بتقديم المبني للمجهول على المبني للمعلوم؛ وتوجيهه: إما قُتل بعضهم وقاتل الباقون، وإما قُتلوا في المعركة بعد أن أثخنوا في القتال وجاء الواو لمطلق الجمع لا للترتيب.
وقرأ الباقون (نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم، وأبو جعفر، ويعقوب): ﴿وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾ بتقديم المقاتلة على القتل على الترتيب الوجودي الطبيعي. وقرأ ابن كثير وابن عامر: بتشديد التاء (وقُتِّلوا وقاتَلوا) للمبالغة.
وقرأ الجمهور بفتح همزة ﴿أَنِّي﴾ بتقدير باء الجر المحذوفة؛ أي بأني، وقرأ عاصم في رواية بكسر الهمزة استئنافاً بالقول المقدر (النشر في القراءات العشر، ج٢، ص٢٥٧؛ حجة القراءات، ص١١٧).
أسباب النزول وسياق الأثر:
استجابة ربانية فورية تامة عامة محيطة لدعوات أولي الألباب؛ وتأسيس لقاعدة المساواة الإيمانية والجزائية الكاملة بين الذكر والأنثى في الإسلام.
أخرج الحاكم في المستدرك (ج٢، ص٣٠٠)مصدر غير محدد٢/٣٠٠ وصححه ووافقه الذهبي والترمذي (رقم: ٣٠٢٢)مصدر غير محددحديث رقم ٣٠٢٢ وأحمد وابن أبي حاتم عن أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: "يا رسول الله، لا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء؟ فأنزل الله تعالى استجابة لها: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ...﴾".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
فاستجاب لهم
الاستجابة قبول الدعاء وإمضاء المطلوب وإعطاء السؤل؛ والفاء للسرعة.
لا أضيع عمل عامل
لا أهمل ولا أبطل أجر عمل صالح بذله عامل كائناً من كان.
بعضكم من بعض
جملة معترضة عظيمة الدلالة؛ أي أنتم متساوون في النسب والدين والأحكام والجزاء؛ فالمرأة من الرجل والرجل من المرأة.
هاجروا
فارقوا أوطانهم وعشيرتهم فراراً بدينهم إلى دار الإسلام.
أخرجوا من ديارهم
أخرجهم كفار مكة ظلماً وعدواناً بالاضطهاد والمصادرة.
أوذوا في سبيلي
نالهم العذاب والضرب والسجن والمقاطعة في سبيل توحيد الله.
فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ
الفاء عاطفة للتعقيب، استجاب ماض، لهم متعلق به، ربهم فاعل مرفوع والكاف مضاف إليه.
أَنِّي لَا أُضِيعُ
أن حرف توكيد ونصب والياء اسمها، لا نافية، أضيع مضارع وفاعله مستتر، والجملة خبر أن، والمصدر المؤول في محل جر بحرف جر محذوف متعلق باستجاب؛ أي استجاب لهم بأني لا أضيع.
عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم
عمل مفعول به وهو مضاف، عامل مضاف إليه، منكم متعلق بمحذوف نعت لعامل.
مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ
بدل من (عامل) أو بيان له، أو أنثى معطوف عليه.
بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ
بعضكم مبتدأ، من بعض خبر، والجملة الاسمية معترضة بين المتعاطفات لتقرير المساواة والأخوة.
فَالَّذِينَ هَاجَرُوا
الفاء تفريعية للتفصيل، الذين اسم موصول مبتدأ، هاجروا صلة الموصول.
اللام واقعة في جواب قسم مقدر، أكفرن مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد والفاعل أنا، عنهم متعلق به، سيئاتهم مفعول به، والجملة جواب القسم المحذوف، وجملة القسم وجوابها في محل رفع خبر المبتدأ (الذين).
ثواباً مفعول مطلق لفعل محذوف أو حال أو مصدر منصوب مؤكد لمضمون الجملة، من عند الله متعلق بمحذوف نعت لثواباً.
وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ
استئنافية، مبتدأ وجملة اسمية خبره.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أعظم هذا الجواب الإلهي وما أسرعه! بمجرد أن انتهت دعواتهم الخاشعة في الآيات السابقة، ارتبط بها الجواب مباشرة بالفاء التعقيبية: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾! ثم فصّل في استحقاقات هذا القبول في ميزان التضحيات الخمس الكبرى:
١. الهجرة في سبيل الله وترك الأوطان.
٢. تحمل الإخراج القسري ومصادرة الأملاك.
٣. الصبر على الأذى والاضطهاد في ذات الله.
٤. خوض المعارك ومقاتلة الأعداء.
٥. بذل الدماء والاستشهاد (وقُتلوا).
وقابل هذه التضحيات الخمس بجزائين عظيمين مؤكدين بالقسم: (تكفير كل السيئات، ودخول جنات تجري من تحتها الأنهار)، ليثبت أن التضحية للإسلام لا تضيع أبداً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
تأصيل المساواة الوجودية والجزائية بين الرجل والمرأة في الإسلام:
تدك هذه الآية كل شبهة استشراقية أو حداثية تدعي تهميش المرأة في القرآن؛ فالآية تقرر أصلاً دستورياً حاسماً: ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾؛ فالرجل والمرأة متطابقان في القيمة الإنسانية والكرامة الإلهية، ومتساويان في استحقاق الثواب والعقاب على العمل الصالح، وشريكان متكاملان في صناعة التاريخ وبناء الأمة والهجرة والبذل في سبيل الله (مجموع فتاوى ابن تيمية، ج١٤، ص٢٧٥؛ تفسير ابن كثير، ج٢، ص١٤٨).