أجمع القراء العشرة على فتح ياء وضم ضاد وراء ﴿يَضُرُّوكُمْ﴾ مضارع منصوب بلن بحذف النون والواو فاعل، وتنوين ﴿أَذًى﴾ بالنصب على الاستثناء المنقطع أو المتصل أو المفعول المطلق، وجزم ﴿يُقَاتِلُوكُمْ﴾ فعل الشرط، وجزم ﴿يُوَلُّوكُمُ﴾ جواب الشرط، وضم تاء ﴿الْأَدْبَارَ﴾ مفعولاً ثانياً ليولوكم، ورفع ﴿لَا يُنصَرُونَ﴾ بالواو والنون مستأنفاً بعد ثم (التيسير للداني، ص٨٩)مصدر غير محدد٨٩.
أسباب النزول وسياق الأثر:
بشارة نبوية إلهية عظيمة للمؤمنين بالمدينة؛ تطميناً لقلوبهم من مكر أحبار اليهود والمنافقين، وإخباراً غيبياً معجزاً بأن كيد هؤلاء لن يبلغ حد استئصال المسلمين أو النيل من دينهم، بل يقتصر على مجرد الأذى اللساني والشبهات، وأنهم إن خاضوا قتالاً هزموا وولوا الأدبار ولن ينصرهم أحد.
أخرج ابن جرير الطبري (ج٥، ص٦٧٥)مصدر غير محدد٥/٦٧٥ وابن أبي حاتم عن قتادة قال: "هذه الآية بشارة من الله لأهل الإيمان؛ أذل الله اليهود في مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم كلها: في بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة، وخيبر، فما قاتلوا قط إلا ولوا الأدبار وأمكن الله منهم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
لن يضروكم إلا أذى
نفي للضرر المؤثر الحقيقي، وحصر ما يقع منهم في "الأذى" الخفيف العارض كالطعن باللسان، والوعيد الكاذب، والشكوى والمحاولات الفاشلة.
يولوكم الأدبار
تولية الأدبار (جمع دُبُر وهو الظهر) كناية عربية فصيحة عن الهزيمة النكراء والفرار من ساحة المعركة.
ثم لا ينصرون
نفي مطلق للنصر؛ فـ "ثم" للتراخي الرتبي الدال على انقطاع أسباب النجدة والمعونة عنهم بعد هزيمتهم.
لَن يَضُرُّوكُمْ
لن نافية ناصبة، يضروكم مضارع منصوب بحذف النون والواو فاعل والكاف مفعول به أول.
إِلَّا أَذًى
إلا أداة استثناء، أذى منصوب على الاستثناء المنقطع (أو مفعول مطلق نائب عن المصدر أي ضرراً كائناً كالأذى).
وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ
الواو عاطفة، إن شرطية، يقاتلوكم فعل الشرط مجزوم بحذف النون والواو فاعل والكاف مفعول به.
يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ
يولوكم جواب الشرط مجزوم بحذف النون والواو فاعل والكاف مفعول به أول، الأدبار مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة.
ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ
ثم حرف عطف وتراخٍ، لا نافية، ينصرون مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون والواو نائب فاعل، والجملة مستأنفة للإخبار بانقطاع نصرهم إلى الأبد (أو معطوفة على جواب الشرط ورفعت على القطع).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تثبيت نفسي واستراتيجي للجماعة المسلمة: بعد أن بيّن فساد أغلبية أهل الكتاب في قوله ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، قد يتخوف المؤمنون من قوة تكتلاتهم ومكائدهم المالية والعسكرية؛ فجاءت هذه الآية لتنزع الخوف من قلوب المؤمنين بتقرير قاعدتين حربيتين غيبيتين:
١. حصر كيدهم في مجرد الأذى اللساني السطحي ﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾.
٢. الحتمية العسكرية بفرارهم إن خاضوا قتالاً ﴿يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ﴾.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة: تحقق نبوءة القرآن العسكرية في التاريخ والتحدي الغيبي:
كيف تعد هذه الآية دليلاً معجزاً على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن؟
المحاكمة العقلية والواقع التاريخي:
الآية نزلت في المدينة والمسلمون قلة محاطون بالأعداء، ويهود خيبر وقريظة والنضير يملكون الحصون والسلاح والأموال الطائلة. ومع ذلك جزم القرآن بأسلوب قاطع أنهم إن قاتلوا فلن يثبتوا بل سيولون الأدبار.
وقد وقع الأمر طبق ما أخبر القرآن حرفياً:
في بني قينقاع استسلموا بلا قتال.
وفي بني النضير تحصنوا ثم قذف الله في قلوبهم الرعب فخرجوا صاغرين.
وفي بني قريظة نزلوا على حكم سعد بن معاذ.
وفي خيبر فُتحت حصونهم المنيعة واحداً تلو الآخر وولوا الأدبار.
وهذا الإخبار الغيبي الجازم الذي تحقق تفصيلاً لا يمكن أن يصدر إلا عن وحي السماء العليم بالسرائر والمآلات (دلائل النبوة للبيهقي، ج٣، ص٢٨٠؛ تفسير ابن كثير، ج٢، ص٩٨).
الاستثناء المنقطع في ﴿إِلَّا أَذًى﴾؛ لإبراز المفارقة بين ما يرومه العدو من استئصال وبين ما يملكه فعلياً؛ فهو لا يملك إلا جعجعة وأذى نفسياً لا يضر دين الله شيئاً.
الكناية في ﴿يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾ وهي من أبلغ الكنايات الحربية عن الذل والانكسار.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الدعوي والتربوي:
رفع المعنويات وبناء الثقة في نفوس أهل الحق أمام تهويل الإعلام المعادي.
الصبر على الأذى اللساني العارض؛ فالمعارك الكبرى لا تلتفت إلى السباب وتشويه الأقلام.
الوجدان الإيماني:
اليقين بنصر الله وتأييده؛ فالمؤمن يعلم أن عدوه مخذول مسلوب النصر مهما امتلك من ترسانات السلاح والمكر.