أخرج ابن أبي حاتم (الرقم: 3064)مصدر غير محددحديث رقم ٣٠٦٤ وابن جرير في «تفسيره» (6/322)مصدر غير محدد٦/٣٢٢ عن قتادة والحسن في الآية قالا: «يوم القيامة يوافي العبد عمله كله؛ يسر بمحضرات الخير، ويسوءه محضرات الشر، حتى يتمنى الظالم لو كان بينه وبين عمله الخبيث مسيرة ألوف السنين».
وجاء في «صحيح مسلم» (الرقم: 2577)صحيح مسلممسلمحديث رقم ٢٥٧٧ من حديث أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال: «يَا عِبَادِي، إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ».
ضبط القراءات والروايات المتواترة:
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ﴾: نصب «يومَ» على الظرفية لفعل محذوف تقديره: اذكروا يوم تجد، أو مفعول به لـ «يحذركم».
قوله تعالى: ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ﴾: قرأ الجمهور بالرفع على الابتداء، وخبره «تودّ»؛ أي والذي عملته من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً، أو «ما» شرطية وجوابها محذوف أو تود.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
مُحْضَرًا: الإحضار هو الإتيان بالشيء وجعله حاضراً مشاهداً لا يغيب؛ فتحضر صحائف الأعمال وتجسد السيئات والحسنات أمامه عياناً.
أَمَدًا بَعِيدًا: الأمد هو الغاية والزمن والمكان المتباعد، والمراد: مسافة شاسعة وزماناً طويلاً ينأى به عن رؤية قبائح ذنوبه.
رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ: الرأفة أرق الرحمة وأعلاها، مأخوذة من دفع المكروه وجلب النفع؛ ومن رأفته بهم أنه أنذرهم وحذرهم في الدنيا قبل فوات الأوان.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التصوير الحسي للندامة الأخروية:
يجسد القرآن مشهد الحساب تجسيداً رهيباً: فالعمل لا يضيع منه مثقال ذرة، والعبد يجد أعماله كلها ماثلة بين يديه، فإن كان خيراً سر به واستبشر، وإن كان شراً ذهل من فظاعته وتمنى لو حالت بينه وبينه صحاري ومسافات أبدية.
الاقتران بين التحذير والرأفة:
كرر قوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ لتقرير الهيبة، ثم عقب فوراً بـ ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾؛ لبيان أن هذا التحذير لم يصدر عن رغبة في الإعنات أو التعذيب، بل عن كمال الشفقة والرحمة بالعباد لينتبهوا من غفلتهم قبل لقاء يوم القيامة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التنافي بين التحذير الشديد والرأفة:
المحاكمة التربوية البليغة: إنذار الطبيب للمريض بعواقب السم، وتحذير الوالد لولده من السقوط في الهاوية، هو عين الشفقة والرأفة المحضة؛ فالله حذرنا نفسه في دار المهلة لنحذر ونتوب، فكان تحذيره أعظم رحمة ورأفة بعباده.
دقة التعبير بـ ﴿تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾:
لم تتمن إعدام العمل لأنها تدرك ثبوته في سجل العدل الإلهي الذي لا يبطل، بل تمنت الفرار الحسي والمعنوي منه لشدة الخزي والندم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
صناعة الخبيئة الصالحة ليوم الإحضار:
العاقل من يتفقد سجله اليومي؛ فكل كلمة تخطها أو تتكلم بها ستجدها غداً «محضرة» صوتياً وحسياً، فاحرص ألا تحضر في صحيفتك إلا ما يسرك أن تراه بين يدي رب العالمين.