وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
القراءات المتواترة والتوجيه:
أجمع القراء العشرة على كسر لام التعليل ونصب عين ﴿لِيَقْطَعَ﴾، ونصب ﴿طَرَفًا﴾ مفعولاً به، ونصب تاء ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ بالعطف على يقطع، ونصب ﴿فَيَنقَلِبُوا﴾ بأن مضمرة في جواب الفاء السببية أو بالعطف بحذف النون والواو فاعل، ونصب ﴿خَائِبِينَ﴾ حالاً بالياء لأنه جمع مذكر سالم (التيسير للداني، ص٩٠)مصدر غير محدد٩٠.
أسباب النزول وسياق الأثر:
بيان لغايات النصر الإلهي وإمداد الملائكة؛ فإما إبادة واستئصال لطائفة وزعماء من الكافرين، أو كبتهم وإخزاؤهم بالهزيمة والخيبة ليرجعوا مقهورين.
قال قتادة والسدي: "﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: ما حدث يوم بدر من قتل صناديد قريش وكبرائهم السبعين كأبي جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف، ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ بالهزيمة والأسر والفرار والخيبة".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
ليقطع طرفاً
القطع هو الفصل والإبانة، والطرف هو القطعة والجانب والرعيل، والمراد هلاك جماعة من كبرائهم ورؤساء ضلالهم بالقتل والأسر لإضعاف شوكتهم.
أو يكبتهم
الكبت هو الإذلال والغيظ والإهانة والإحباط والصرع على الوجه؛ كبته الله أي رده بغيظه وخيبته وأذله.
فينقلبوا خائبين
ينقلبوا أي يرجعوا إلى مكة وأهلهم، خائبين: ساقطين لم يظفروا بمرادهم ولا نالوا ما أملوه من استئصال الإسلام.
لِيَقْطَعَ
اللام لام التعليل، يقطع مضارع منصوب بأن مضمرة والفاعل مستتر تقديره هو يعود على الله (أو متعلق بنصركم أو بيمددكم).
طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا
طرفاً مفعول به منصوب، من الذين متعلقان بنعت لطرفاً، وجملة كفروا صلتها.
أَوْ يَكْبِتَهُمْ
أو حرف عطف وتقسيم، يكبتهم مضارع معطوف على يقطع منصوب والهاء مفعول به.
لماذا قال "طرفاً" ولم يقل "ليستأصل الذين كفروا جميعاً"؟
المحاكمة العقلية وسنة التدافع:
الإسلام لم يأت لإبادة الجنس البشري، بل جاء لإزالة عوائق الهداية وكسر شوكة الطغيان؛ ولهذا عبر بـ ﴿طَرَفًا﴾؛ لأن قتل رؤوس الكفر الصادين عن سبيل الله يفتح الأبواب لدخول الدهماء والمستضعفين في الإسلام بعد زوال سلطان الخوف، وهو ما حدث بالفعل في فتح مكة حين أسلم معظم من كان يقاتل في أحد والأحزاب بعد أن كُبتوا وكسرت شوكتهم (التحرير والتنوير، ج٤، ص٧٢)التحرير والتنويرابن عاشور٤/٧٢.