الآثار وتاريخ جرائم بني إسرائيل في قتل الأنبياء والمصلحين:
أخرج ابن أبي حاتم في «تفسيره» (الرقم: 3020)مصدر غير محددحديث رقم ٣٠٢٠ وابن جرير (6/282)مصدر غير محدد٦/٢٨٢ عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بِئْسَ القَوْمُ قَوْمٌ يَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ، وَبِئْسَ القَوْمُ قَوْمٌ لَا يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ...».
وروى ابن جرير وأبو عبيد في «فضائل القرآن» عن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد عذاباً يوم القيامة؟ قال: «رَجُلٌ قَتَلَ نَبِيًّا، أَوْ رَجُلٌ أَمَرَ بِالْمُنْكَرِ وَنَهَى عَنِ الْمَعْرُوفِ»، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
وعن أبي عبيدة قال: «قتلت بنو إسرائيل ثلاثاً وأربعين نبياً في أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة وسبعون رجلاً من بني إسرائيل فأمروهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر، فقُتلوا جميعاً من آخر النهار في ذلك اليوم».
ضبط القراءات والروايات المتواترة:
قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾: قرأ نافع بالهمز في موضع الياء المشددة: ﴿النَّبِيئِينَ﴾ على أصله، وقرأ الباقون بياء مشددة مكسورة بعدها ياء مدية: ﴿النَّبِيِّينَ﴾.
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
بِغَيْرِ حَقٍّ: قيد بياني كاشف لجريمتهم الفاضحة؛ فالأنبياء لا يقتلون بحق أبداً، ولكن ذكره لإبراز قبح شناعتهم وأنهم قتلوهم عناداً وظلماً محضاً وهم يعلمون براءتهم وصدقهم.
يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ: القسط هو العدل، وهؤلاء هم المصلحون، والعلماء، والدعاة، والأئمة الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر الذين يدافعون عن حقوق الضعفاء في مواجهة الطغاة.
فَبَشِّرْهُمْ: البشارة في الأصل هي الإخبار بما يسر ويفرح، واستعمالها هنا في العذاب تهكم وتقريع وإشعار بأن هذا هو ما ينتظرهم من جزاء وفاقاً.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
فضح السجل التاريخي والدموي لليهود وأسلافهم:
بعد أن بين كفرهم واختلافهم بغياً وتوليهم عن الإسلام، ذكر السجل الجنائي الفظيع الذي ارتكبه أسلافهم ورضي به خلفهم: وهو تصفية الأنبياء والدعاة المصلحين؛ ليعلم العالم أن معارضة هؤلاء لمحمد صلى الله عليه وسلم لم تكن عن شبهة علمية، بل هي وراثة لغريزة الإجرام ومحاربة دعاة العدل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة مؤاخذة المعاصرين بجرائم الأسلاف:
كيف يذم الله يهود عهد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ والذين قتلوا هم أسلافهم من القرون الغابرة؟
التحقيق القرآني والأصولي: الرضا بالجريمة وموالاة فاعليها يجعل الراضي شريكاً فيها حكماً وجزاءً؛ فيهود المدينة كانوا يفتخرون بأسلافهم، ويوالون نهجهم، ويضمرون قتل النبي صلى الله عليه وسلم كما حاولوا مراراً (في قصة إلقاء الصخرة من بني النضير وشاة خيبر المسمومة)، فجمعهم الله في الإثم والعذاب لتماثل القلوب والمقاصد.
تنويه عظيم بمقام الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر والدعاة إلى العدل؛ فقد قرنهم الله بالأنبياء في الجريمة الواقعة عليهم والوعيد لقاتليهم، وبيان أن من عادى المصلحين فهو سائر على سنة قتلة الأنبياء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
عزاء الدعاة والمصلحين عند الاضطهاد:
الآية أعظم سلوى للأئمة والدعاة الذين يتعرضون للسجون والتنكيل والقتل على أيدي الطغاة؛ فهذا طريق الأنبياء وخيار الصالحين، والظلمة موعودون بالبشارة الإلهية بالعذاب الأليم في نار جهنم.