أجمع القراء العشرة على فتح تاء وميم ونون مشددة ﴿تَمَنَّوْنَ﴾ وأصله (تتمنون) فحذفت إحدى التاءين تخفيفاً، وقرأ الأعمش في غير المتواتر بإثبات التاءين، وتسكين نون ﴿أَن تَلْقَوْهُ﴾ مع الإخفاء، وضم تاء وظاء ﴿تَنظُرُونَ﴾ (الكشف عن وجوه القراءات لمكي بن أبي طالب، ج١، ص٣٥٥)مصدر غير محدد١/٣٥٥.
أسباب النزول وسياق الأثر:
كان رجال من المسلمين ممن فاتهم الخروج في غزوة بدر تمنوا لو يشهدون قتالاً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليروا الله ما يصنعون وينالوا الشهادة والجنة، فلما كان يوم أحد خرجوا وأبلوا، ولكن لما حمي الوطيس وانكشف الجيش جزع بعضهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية يعاتبهم عتاباً رفيقاً على عدم مطابقة القول للعمل عند اللقاء.
أخرج البخاري في صحيحه تعليقاً، وابن جرير الطبري في تفسيره (ج٥، ص٨١٠)مصدر غير محدد٥/٨١٠ بسنده الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان رجال من المؤمنين يقولون قبل يوم أحد: ليتنا نلقى عدواً فنقاتل فنستشهد كما استشهد إخواننا ببدر! فلما كان يوم أحد وولى من ولى، أنزل الله: ﴿وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾".
وأخرج مسلم في صحيحه (كتاب الجهاد والسير، رقم: ١٧٤٢)مصدر غير محددحديث رقم ١٧٤٢ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
تمنون الموت
التمني هو تعليق القلب بحصول أمر مرغوب فيه، وتمني الموت هنا: تمني سببه وهو الشهادة في سبيل الله وملاقاة الأعداء في ساحات الوغى.
رأيتموه
الرؤية هنا بصرية؛ أي رأيتم أسبابه ودلائله كالسيوف اللامعة والرماح المشرعة ومصارع الإخوان.
وأنتم تنظرون
حال مؤكدة؛ تفيد المعاينة التامة بالعين دون لبس ولا خفاء.
وَلَقَدْ
الواو استئنافية، اللام واقعة في جواب قسم مقدر، قد: حرف تحقيق.
كُنتُمْ
فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه.
تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ
تمنون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، الموت مفعول به منصوب، والجملة في محل نصب خبر كان.
مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ
من قبل جار ومجرور متعلقان بتمنون، أن مصدرية، تلقوه: مضارع منصوب بأن وعلامة نصبه حذف النون والواو فاعل والهاء مفعول به، والمصدر المؤول في محل جر مضاف إليه لـ (قبل).
فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ
الفاء عاطفة للتعقيب، قد حرف تحقيق، رأيتموه: فعل ماض وفاعله ومفعوله، والواو زائدة للإشباع.
وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ
الواو حالية، أنتم: مبتدأ، تنظرون: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، وجملة تنظرون خبر أنتم، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الفاعل في (رأيتموه).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
جاءت هذه الآية لتطابق الواقع النفسي للصحابة رضي الله عنهم بعد أن قرعتهم الآية السابقة: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ...﴾، فذكّرهم هنا بأن الموت الذي أرهبكم في ساحة أحد هو بعينه ذلك المطلب الذي طالما هتفت به ألسنتكم وتمنته قلوبكم قبل المعركة! فلما حضر الميدان وانكشف الغطاء عاينتموه بأعينكم، فما بال الهيبة دبّت في نفوسكم؟ وهو أسلوب تربوي رباني يهذب المشاعر ويدرب الرجال على الثبات ومطابقة الأقوال للأفعال.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة النهي عن تمني الموت والشهادة:
قد يقع تعارض ظاهري بين حديث: "لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به" (صحيح البخاري، رقم: ٥٦٧١)صحيح البخاريالبخاريحديث رقم ٥٦٧١ وحديث: "لا تتمنوا لقاء العدو"، وبين مدح تمني الشهادة في سبيل الله أو حكاية تمنيهم لها في الآية.
والتحقيق الأصولي المحكم: أن تمني الموت لضرر دنيوي أو هرباً من مصائب الدنيا محرم بإجماع؛ لأنه جزع وسخط على قدر الله. أما تمني لقاء العدو فمنهي عنه لما فيه من الإعجاب بالنفس وتزكيتها وطلب البلاء الذي لا يدري العبد هل يثبت عليه أم يفتن. وأما تمني "الشهادة في سبيل الله ونيل ثوابها" فمستحب مرغب فيه شرعاً؛ لحديث سهل بن حنيف في صحيح مسلم: "من سأل الله الشهادة بصدق، بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه" (صحيح مسلم، رقم: ١٩٠٩)صحيح مسلممسلمحديث رقم ١٩٠٩. فالعتاب في الآية ليس على أصل تمني الشهادة، بل على التقصير في الصبر والثبات عند معاينة أسبابها (فتح الباري لابن حجر، ج٦، ص٣٤؛ شرح النووي على صحيح مسلم، ج١٢، ص١٩٣).
إطلاق الموت وإرادة سببه (الشهادة والقتال): مجاز مرسل علاقته المسبَّبية؛ للتنبيه على أن ملاقاة الأعداء مظنة الموت الحقيقي، فمن تمنى القتال فعليه أن يوطن نفسه على بذل الروح.
التأكيد بالحال ﴿وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾: تأكيد للرؤية بالنظر الحسي الذي يزيل أي توهم، وفيه إشارة إلى دهشتهم وانبهارهم حين رأوا السيوف تتخاطف الرقاب فجأة، فكأنهم عاينوا الموت جهاراً عياناً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
خطورة تضخم الدعاوى العريضة قبل خوض المعارك والتجارب العملية؛ فالرجل الصادق هو من يقل كلامه ويكثر فعله وصبره إذا اشتد الكرب.
سؤال الله العافية دائماً، مع الاستعداد النفسي للصبر والتضحية بالمهج والأموال إذا كُتب القتال أو حان وقت البذل.