أجمع القراء العشرة على إدغام تاء التأنيث في الطاء في ﴿وَدَّت طَّائِفَةٌ﴾ إدغاماً متقارباً أو متجانساً، وضم ياء ﴿يُضِلُّونَكُمْ﴾ و﴿يُضِلُّونَ﴾ من أضل يضل الرباعي، ورفع ﴿أَنفُسَهُمْ﴾ بالنصب مفعولاً به، ورفع ﴿طَائِفَةٌ﴾ بالضمة فاعلاً (النشر لابن الجزري، ج١، ص٢٨٥)مصدر غير محدد١/٢٨٥.
أسباب النزول وسياق الأثر:
نزلت في جماعة من زعماء اليهود بالمدينة (منهم معاذ بن جبل وحذيفة وعمار بن ياسر حين دعوهم إلى دينهم ورغبوا في ردهم عن الإسلام).
أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "إن معاذ بن جبل وحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر دعاهم كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف وزيد بن تابوت (من يهود بني قريظة والنضير) إلى دينهم ليردوهم عن الإسلام، فأنزل الله فيهم: ﴿وَدَّت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
ودت
الود هو المحبة الباطنة الشديدة وتمني حصول الشيء.
طائفة
الجماعة والقطعة من الشيء، والمراد كبارهم وأحبارهم أصحاب المكر والكيد.
لو يضلونكم
الإضلال هو الصرف عن طريق الحق والهدى إلى مسالك الغواية والردة.
وما يضلون إلا أنفسهم
قصر وحصر؛ فوبال ضلالهم وسعيهم الخبيث راجع عليهم بزيادة الإثم ومضاعفة العذاب واستحقاق مقت الله ولعنته.
وما يشعرون
الشعور هو الإدراك الحسي الدقيق كمس الشعر، ونفيه يدل على بلادة حسهم وغفلتهم العميقة عن مصيرهم البائس.
وَدَّت طَّائِفَةٌ
ودت فعل ماض والتاء للتأنيث، طائفة فاعل مرفوع بالضمة.
مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ
جار ومجرور في محل رفع نعت لطائفة.
لَوْ يُضِلُّونَكُمْ
لو مصدرية بمعنى أن، يضلونكم مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل والكاف مفعول به، والمصدر المؤول في محل نصب مفعول به لودت.
وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ
الواو حالية، ما نافية، يضلون فعل وفاعل، إلا أداة حصر، أنفسهم مفعول به منصوب والهاء مضاف إليه.
وَمَا يَشْعُرُونَ
الواو عاطفة أو حالية، ما نافية، يشعرون مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
كشف لأسرار المعركة الخفية: بعد أن أقام القرآن الحجج العقلية والتاريخية الباهرة وأفحم أهل الكتاب في قصة عيسى وإبراهيم، انتقل السياق إلى كشف خبايا نفوسهم ومؤامراتهم الباطنة؛ ليحذر المؤمنين من مكائدهم المستمرة، ويبين أن عجزهم عن مقارعة الحجة بالحجة قادهم إلى التآمر الخبيث لبث الشبهات وإضلال الصف المسلم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
سنة ارتداد المكر على الماكر في قوله "وما يضلون إلا أنفسهم":
كيف يكون سعيهم لإضلال المسلمين إضلالاً لأنفسهم حصراً؟
المحاكمة العقلية والسنن الإلهية:
١. المسلم الثابت على بصيرة من دينه لا تزيده شبهات المضلين إلا رسوخاً ويقيناً وبحثاً عن الحجة؛ فالباطل إذا صال فضح نفسه.
٢. المفسد الذي يسعى لإضلال غيره يكتسب بذلك طبائع المكر والخداع، وتستحكم الغشاوة على قلبه، ويتحمل أوزار من يضلهم إلى جانب أوزاره، فتتآكل فطرته ويخسر آخرته وهو يحسب أنه يكيد لعدوه، فكان إضلاله راجعاً إلى ذاته حقيقة وواقعاً (التحرير والتنوير لابن عاشور، ج٣، ص٢٨٥)التحرير والتنويرابن عاشور٣/٢٨٥.
الإنصاف القرآني في التعبير بـ ﴿طَّائِفَةٌ﴾؛ فلم يعمم الحكم على كل أهل الكتاب، بل خص الطائفة المتآمرة، وفي ذلك تربية للمؤمنين على العدل حتى مع المخالفين.
نفي الشعور ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أبلغ من نفي العلم؛ لأن الشعور مبدأ الإدراك، فإذا انتفى مبدأ الإحساس كان جهلهم مطبقاً وظلماتهم متراكمة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الدعوي والتربوي:
الحذر التام من كيد أعداء العقيدة ومساعيهم الحثيثة لزعزعة يقين الشباب والمسلمين بالشبهات المسمومة.
تحصين الصف الداخلي بالعلم الشرعي والوعي الفكري العميق، لرد كيد المضلين في نحورهم.
الوجدان الإيماني:
طمأنينة المؤمن بحفظ الله لدينه وأوليائه؛ فكيد المفسدين محكوم عليه بالبوار، وسهامهم ترتد إلى نحورهم.