أخرج ابن جرير الطبري في «جامع البيان» (6/399)جامع البيانالطبري٦/٣٩٩ وابن أبي حاتم (الرقم: 3148)مصدر غير محددحديث رقم ٣١٤٨ والحاكم (2/291)مصدر غير محدد٢/٢٩١ وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «اقترع أحبار بيت المقدس حين وضعت امرأة عمران مريم؛ وكانوا تسعة وعشرين حبراً، فانطلقوا إلى نهر الأردن فألقوا أقلامهم التي يكتبون بها الوحي والتوراة، وقالوا: من جرى قلمه مع الماء فليس بكافل، ومن جرى قلمه ضد جريان الماء فهو كافلها؛ فجرت أقلامهم كلهم مع جرية الماء، ووقف قلم زكريا وصعد صاعداً ضد الجريان، فكفلها زكريا بنبوته وقرابته وبرهان الآية».
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ: الأنباء جمع نبأ وهو الخبر العظيم الهام، والغيب ما غاب عن حواس الإنسان ومداركه من أخبار القرون السالفة وأسرار الوحي.
أَقْلَامَهُمْ: القلم هو الآلة التي يكتب بها، وكانت قصبات أو عيدان سهام مخصوصة يكتبون بها التوراة في بيت المقدس، واستعملوها ههنا للاقتراع.
يَخْتَصِمُونَ: يتنازعون ويتسابقون شحاً برعاية هذه الطاهرة المباركة؛ مأخوذ من الخصومة والحرص على الفوز بكفالتها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
البرهان التاريخي القاطع على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم:
قطع القرآن السياق القصصي ليوجه الخطاب مباشرة للنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾؛ لتقرير أن سرد هذه التفاصيل الدقيقة (نذر امرأة عمران، وتسمية مريم، وكفالة زكريا، ورزق المحراب، واقتراع الأحبار بالأقلام على ضفاف النهر واختصامهم) وأنت رجل أمي لم تقرأ كتاباً ولم تعاشر أحبارهم ولم تشهد أحداثهم، برهان قطعي على أن هذا القرآن وحي سماوي معجز من عند الله العليم الخبير.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
مشروعية القرعة عند التنازع على الحقوق:
تدل الآية دلالة أصولية وفقهية صريحة على مشروعية «القرعة» عند تزاحم الحقوق وتساوي الأدلة وانعدام المرجح الحسي؛ وقد ثبتت مشروعيتها في كتاب الله في قصة يونس ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ وفي هذه الآية، وثبتت في السنة النبوية في الصحيحين؛ كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه، فمن خرج سهمها خرج بها معه (البخاري: 2593).
توكيد بياني جازم لنفي أي مصدر بشري للمعرفة النبوية؛ فالأولى نفت حضوره وقت إلقاء الأقلام، والثانية نفت حضوره وقت الخصومة والتنافس؛ لتترسخ حقيقة الوحي الإلهي الصافي.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التنافس المحمود في كفالة الصالحين:
تنافس أحبار بني إسرائيل واختصامهم واقتراعهم على كفالة مريم يعلم الأمة شرف التنافس في رعاية الضعفاء وخدمة الصالحين والمشاريع الخيرية، وأن المسارعة إلى الخيرات دأب الأولياء.