قرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي وأبو جعفر وخلف العاشر ﴿وَيُعَلِّمُهُ﴾ بالياء على الغيبة عائداً على الله تعالى أي: ويعلمه الله. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب ﴿وَنُعَلِّمُهُ﴾ بالنون على نون العظمة الإلهية، والقراءتان تدلان على أن المعلم المباشر بالحقيقة والمفيض للعلوم اللدنية والنبوية على عيسى هو الله جل جلاله (حجة القراءات لابن خالويه، دار الشروق، ص١٠٥)مصدر غير محدد١٠٥.
أسباب النزول وسياق الأثر:
جاءت الآية في سياق سرد الفضائل والكرامات والتمكين الإلهي لعيسى عليه السلام، لبيان أنه أوتي العلم التام والقدرة على استنباط الأحكام وفهم الكتب السماوية السابقة واللاحقة، ليكون حجة قائمة على علماء بني إسرائيل وأحبارهم الذين بدلوا وحرفوا.
روى ابن جرير الطبري (ج٥، ص٣٨٢)مصدر غير محدد٥/٣٨٢ بسنده عن مجاهد والسدي: "﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ﴾ يعني: الخط والكتابة بالقلم، ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾: السداد في القول والفعل وفهم بواطن الشريعة، ﴿وَالتَّوْرَاةَ﴾: كتاب موسى، ﴿وَالْإِنجِيلَ﴾: الكتاب الذي أنزله الله عليه".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
الكتاب
إما جنس الكتب السماوية، أو تعليم صناعة الكتابة والخط بالقلم كنعمة عقلية وحضارية، والراجح عند الجمهور أنه جنس الكتابة أو جنس الوحي المكتوب.
الحكمة
معرفة الحق والعمل به، وإصابة الصواب في القول والفعل، والفهم العميق لمقاصد الشرائع وأسرار الأحكام.
التوراة
الكتاب الإلهي المنزل على موسى عليه السلام، وأصله مشتق في العربية إما من "الوَري" وهو إيقاد النار والضياء، أو لفظ عبراني (توراه) بمعنى الشريعة والتعليم.
الإنجيل
الكتاب المنزل على عيسى عليه السلام، وهو لفظ معرب من اليونانية (إيفانجيليون) ومعناه: البشارة الطيبة السارة.
وَيُعَلِّمُهُ
الواو عاطفة على ﴿يُبَشِّرُكِ﴾ أو مستأنفة، يعلم فعل مضارع مرفوع، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على لفظ الجلالة (أو نا الفاعلين على قراءة النون)، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به أول.
الْكِتَابَ
مفعول به ثانٍ منصوب وعلامة نصبه الفتحة.
وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ
أسماء معطوفة بحروف العطف على الكتاب منصوبة بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
رتبت هذه النعم ترتيباً بديعاً متناسقاً: بدأ بالأعم وهو ﴿الْكِتَابَ﴾ الذي هو أداة تدوين العلوم وتناقلها، ثم ثنى بـ ﴿الْحِكْمَةَ﴾ التي هي الغاية من العلم والقدرة على تصريفه في مواضعه، ثم ثلث بـ ﴿التَّوْرَاةَ﴾ التي هي الأصل التشريعي لبني إسرائيل ليعلمهم أنه حافظ لها ومتبع لأصولها غير ناسخ لجملتها، ثم ختم بـ ﴿الْإِنجِيلَ﴾ الذي هو الرسالة الخاصة المجددة والناسخة لبعض الأغلال والآصار.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: زعم النصارى أن علم عيسى الغزير دليل على لاهوته وأنه العقل الإلهي الناطق (اللوغوس):
تفنيد الشبهة والمحاكمة العقلية:
نص القرآن الصريح ﴿وَيُعَلِّمُهُ﴾ قاطع في أنه مُتعلِّم من قِبل غيره، وأن علمه حادث ومكتسب بإفاضة الله وتعليمه. فالإله الحق لا يُعلَّم ولا يستفيد علماً من أحد، بل علمه أزلي ذاتي محيط بكل شيء.
إضافة التعليم إلى الله تعالى تثبت أن عيسى بشر رسول يتلقى الوحي كإخوانه من الأنبياء؛ فلو كان إلهاً لما احتاج إلى من يعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل (تفسير الألوسي، دار الكتب العلمية، ج٢، ص١٥٣)مصدر غير محدد٢/١٥٣.
عطف الخاص على العام في قوله ﴿وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ﴾ بعد ﴿الْكِتَابَ﴾ للتنويه بفضلهما ومقامهما الخاص بين سائر الكتب.
تقديم التوراة على الإنجيل لمراعاة الترتيب الزمني النزولي، ولأن الإنجيل مكمل ومتمم لأحكام التوراة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الدعوي والتربوي:
اقتران العلم بالحكمة؛ فالعلم بلا حكمة قد يكون وبالاً واستعلاءً، ولا تكتمل منزلة المربي والداعية إلا إذا رزق مع حفظ النصوص فقهاً في إنزالها على الوقائع ومراعاة أحوال الناس.
أهمية إتقان الشريعة والتراث السابق؛ فعيسى عليه السلام بعث إلى بني إسرائيل وهو أعلم الناس بتوراتهم ليدعوهم بالحجة والبرهان من كتبهم التي يقرون بها.