أجمع القراء العشرة على مد همزة ﴿فَآتَاهُمُ﴾ ماضياً من الإيتاء وهو الإعطاء، وضم هاء الضمير، ونصب ﴿ثَوَابَ﴾ مفعولاً به ثانياً، ونصب ﴿وَحُسْنَ﴾ عطفاً عليه (معجم القراءات لمختار عمر، ج١، ص٤٤٥)مصدر غير محدد١/٤٤٥.
سياق الأثر:
استجابة إلهية سريعة حاسمة لدعاء الربيين الصادقين؛ فمن استغفر وتاب وصبر وثبت، أكرمه الله بالحسنيين: الغلبة والنصر في الدنيا، والنعيم المقيم في الآخرة.
أخرج ابن جرير الطبري (ج٥، ص٨٣٥)مصدر غير محدد٥/٨٣٥ عن ابن جريج في قوله: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ قال: "النصر والظفر على عدوهم والغنيمة"، ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ قال: "الجنة ومغفرة الذنوب".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
ثواب الدنيا
النصر والتمكين والفتح والمغانم والثناء الحسن وسلامة العاقبة.
حسن ثواب الآخرة
الجنة ورضوان الله، وأضيف الثواب إلى الحسن لبيان فضل ثواب الآخرة وعلو شأنه على ثواب الدنيا بما لا يقاس.
فَآتَاهُمُ
الفاء عاطفة تفيد السببية والتعقيب، آتاهم: فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول، والميم للجمع.
اللَّهُ
فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
ثَوَابَ الدُّنْيَا
ثواب مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة، والدنيا مضاف إليه مجرور بكسرة مقدرة.
وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ
الواو عاطفة، حسن معطوف على ثواب الدنيا منصوب، ثواب مضاف إليه، والآخرة مضاف إليه مجرور.
وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
جملة استئنافية تذييلية؛ المقصد منها الثناء على من أحسن في عمله ودعائه وجهاده بمحبة الله ورضوانه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الجزاء الرباني العاجل والآجل جاء مرتباً على الأفعال المذكورة في الآيات السابقة؛ فلما صبروا وما وهنوا واستغفروا وثبتوا، عجل الله لهم النصر في الدنيا وادخر لهم حسن الثواب في الآخرة. وفي هذا تنبيه لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن النصر ليس مستحيلاً عليهم بعد أحد، بل طريقه سالك واضح وهو السير على نهج هؤلاء الربيين الصادقين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دفع شبهة تعارض زهد الصالحين مع نيلهم ثواب الدنيا:
قد يظن من يقرأ الآية أن الربيين كانوا طلاب دنيا؛ فنالوا ثوابها!
والتحقيق: أن ثواب الدنيا جاءهم تبعاً لا أصالة؛ فهم لم يخرجوا للدنيا وإنما خرجوا في سبيل الله وللآخرة، ولكن الله بفضله وكرمه لا يضيع أجر المحسنين، فيفيض عليهم في الدنيا من النصر والعزة والبركة ما يستعينون به على طاعته، مع بقاء كمال أجرهم في الآخرة سالماً غير منقوص (الكشاف للزمخشري، ج١، ص٤٢٤)الكشافالزمخشري١/٤٢٤.
البعد البياني والبلاغي والإشاري والتدبري
إضافة "الحسن" إلى ثواب الآخرة دون الدنيا: سر بلاغي إعجازي عميق؛ فقال: ﴿ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ مجرداً عن وصف الحسن، وقال: ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ بإضافة الحسن؛ لبيان حقارة ثواب الدنيا وسرعة زواله وكثرة شوائبه ومنغصاته، في حين أن ثواب الآخرة خالص في حسنه، دائم في بقائه، لا كدر فيه ولا منغص (تفسير الرازي، ج٩، ص٣٣)مصدر غير محدد٩/٣٣.
التعقيب بالفاء الفصيحة: ﴿فَآتَاهُمُ﴾؛ للدلالة على سرعة فيض الرحمة الإلهية ونزول الفرج بمجرد استيفاء شروط التوبة والجهاد والصبر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اليقين بأن من أخلص لله في عمله وأحسن عبوديته كفاه الله أمر دنياه وآخرته.
تقديم الآخرة والتعلق بـ "حسن ثوابها"؛ مما يمنح الداعية طاقة جبارة للتحمل والبذل والتضحية.