وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
القراءات المتواترة والتوجيه:
أجمع القراء العشرة على كسر همزة الوصل في ﴿وَاعْتَصِمُوا﴾ وصلاً، ونصب ﴿جَمِيعًا﴾ على الحال من واو الجماعة، وفتح تاء وراء ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ مضارع حذفت منه إحدى التاءين (تتفرقوا) مجزوماً بلا الناهية، وفتح شين وفاء ﴿شَفَا﴾ مقصوراً، وتنوين ﴿حُفْرَةٍ﴾ بالجر، وإسكان نون ﴿فَأَنقَذَكُم﴾ وإخفائها عند القاف (التيسير للداني، ص٨٨)مصدر غير محدد٨٨.
أسباب النزول وسياق الأثر:
نزل هذا الميثاق الجامع للأمة الإسلامية لتوحيد كلمتها واستئصال جذور الجاهلية والعداوات القديمة التي كادت أن تشتعل في واقعة شاس بن قيس بين الأوس والخزرج.
أخرج مسلم في صحيحه (كتاب الأقضية، باب النهي عن كثرة المسائل، رقم: ١٧١٥)مصدر غير محددحديث رقم ١٧١٥ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يرضى لكم ثلاثاً، ويكره لكم ثلاثاً؛ فيرضى لكم: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم...".
وروى الترمذي (رقم: ٢٩٠٦)مصدر غير محددحديث رقم ٢٩٠٦ وابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "حبل الله هو القرآن العظيم، وهو الجماعة؛ وعليكم بالجماعة فإنها حبل الله الذي أمر به، وما تكرهون في الجماعة والطاعة خير مما تحبون في الفرقة".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
حبل الله
استعارة تصريحية عظمى للقرآن الكريم، ودينه الحق، وعهده، والجماعة ولزوم السنة؛ فالحبل هو السبب الموصل إلى النجاة الذي يعصم المتمسك به من السقوط في مهالك الضلال.
جميعاً
مجتمعين مؤتلفين على كلمة التوحيد، لا متفرقين أحزاباً وشيعاً.
إذ كنتم أعداء
تذكير بواقع الأوس والخزرج في الجاهلية حيث دامت بينهم الحروب مائة وعشرين عاماً متصلة حتى كادوا يفنون.
فألف بين قلوبكم
التأليف هو جمع المتنافرات وربط القلوب بمحبة الإيمان وعقد الأخوة في الله.
على شفا حفرة من النار
الشفا هو الحافة والشاطئ والطرف المشرف على السقوط؛ أي كنتم على حافة الوقوع في نار جهنم بشرككم وموتكم على الجاهلية، فأنقذكم الله ببعثة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وإسلامكم.
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا
الواو عاطفة، اعتصموا أمر مبني على حذف النون والواو فاعل، بحبل متعلقان باعتصموا، والله مضاف إليه، جميعاً حال منصوبة من الواو.
وَلَا تَفَرَّقُوا
لا ناهية، تفرقوا مضارع مجزوم بحذف النون والواو فاعل.
وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ
اذكروا أمر وفاعله، نعمة مفعول به، والله مضاف إليه، وعليكم حال من نعمة.
إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً
إذ ظرف لما مضى متعلق بنعمة أو باذكروا، كنتم كان واسمها، وأعداء خبرها.
فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ
الفاء عاطفة، ألف ماض وفاعله هو يعود على الله، بين ظرف متعلق بألف، وقلوبكم مضاف إليه.
فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا
الفاء عاطفة، أصبحتم فعل ناقص واسمه، بنعمته متعلقان بإخواناً، وإخواناً خبر أصبح منصوب.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
بناء كلي للأمة الإسلامية: تدرج السياق من تقوى الفرد في الآية السابقة ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ إلى "وحدة الجماعة واعتصامها" في هذه الآية ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾؛ لأن الإيمان الفردي لا يحميه في وجه عواصف الفتن إلا مجتمع إيماني متماسك يعتصم بالوحي ويستشعر نعمة الأخوة، ثم ذكّرهم بالمعجزة الاجتماعية الحية في تاريخهم: كيف تحولت العداوات المتوارثة بالدماء إلى أخوة طاهرة ببركة الإسلام.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التنازع الحزبي والفرقة المذهبية:
يزعم بعض الحزبيين وأهل الأهواء أن التفرق والتكتلات الضيقة ظاهرة صحية لا حرج فيها!
المحاكمة العقلية والتحذير النبوي الصارم:
١. صريح الآية قطعي في تحريم التفرق والتمزق: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، فالنهي بعد الأمر للتوكيد القاطع؛ لأن قوة الأمة في اعتصامها، والتفرق يذهب ريحها ويسلمها لأعدائها كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦].
٢. حبل الله واحد لا يتعدد؛ والاجتماع لا يكون إلا على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أما الاجتماع على العصبيات الحزبية والرايات الجاهلية فهو عين التفرق الذي نهى الله عنه وحذر منه رسوله (اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية، ج١، ص١٢٠-١٣٥؛ الاعتصام للشاطبي، دار المعرفة، ج١، ص١١٠-١٢٥).
الاستعارة التمثيلية الباهرة في ﴿حَبْلِ اللَّهِ﴾؛ تجسيد بديع لعروة الوحي والنجاة الممتدة من السماء إلى الأرض، فمن تعلق بها نجا ومن أفلتها سقط في الهاوية.
التمثيل الحسي لمشهد النجاة في ﴿عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا﴾؛ يصور المؤمنين كمن أشرف على السقوط في هوة سحيقة تلتهب ناراً، فامتدت إليهم يد الرحمة الإلهية لتنتشلهم إلى واحة الأمان والإخاء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الدعوي والتربوي:
واجب العمل على وحدة الصف الإسلامي ونبذ الخلافات والنزاعات المفتعلة.
التذكير الدائم بنعم الله على الأمة؛ فاستحضار ماضي الجاهلية المظلم يضاعف الشكر لنعمة الهداية والأخوة.
الوجدان الإيماني:
تذوق طعم الأخوة في الله؛ فحب المؤمنين وتآلف القلوب نعمة ربانية قذفها الله في القلوب لا تُشترى بأموال الأرض: ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٣].