أجمع القراء العشرة على فتح كاف وراء ﴿وَمَكَرُوا﴾ وفتح كاف وراء ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾، وعلى رفع الراء في ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ على الابتداء والخبر، واللفظ جارٍ على سنن العربية في المقابلة والمشاكلة اللفظية الدالة على الجزاء العادل وإحباط كيد الظالمين (حجة القراءات لابن زنجلة، دار الرسالة، ص١٦٢)مصدر غير محدد١٦٢.
أسباب النزول وسياق الأثر:
لما ضاق اليهود ذرعاً بعيسى عليه السلام وبما ظهر على يديه من المعجزات وإقبال الفقراء والمستضعفين عليه، تآمر أحبارهم ومكروا مكراً خبيثاً؛ إذ وشوا به إلى ملك الرومان الوثني وقالوا: إن هنا رجلاً يفسد الناس ويخرج على طاعتك ويدعي الملك ويسقط الجزية، فأمر الملك بالقبض عليه وصلبه، فدخلوا عليه في البيت فرفعه الله إليه وألقى شبهه على غيره، فصلبوا ذلك الشبيه وهم يحسبونه عيسى، وكان ذلك أعظم المكر المضاد لكيدهم الخبيث.
أخرج النسائي في السنن الكبرى (كتاب التفسير، رقم: ١١٠٥٠)مصدر غير محددحديث رقم ١١٠٥٠ وابن أبي حاتم (ج٢، ص٦٢١)مصدر غير محدد٢/٦٢١صحيح وابن جرير بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء، خرج إلى أصحابه في البيت وهم اثنا عشر رجلاً، وقد نبع الماء في البيت من عين، فرأسه يقطر ماءً، فقال: إن منكم من يكفر بي اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن بي، ثم قال: أيكم يُلقى عليه شبهي فيُقتل مكاني ويكون معي في درجتي؟ فقام شاب من أحدثهم سناً، فقال عيسى: اجلس، ثم أعاد فقام الشاب، فقال: نعم أنت هو، فأُلقي عليه شبه عيسى ورُفع عيسى من روزنة في البيت إلى السماء، وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبيه فقتلوه وصلبوه... فذلك قوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المكر
في كلام العرب هو التدبير الخفي لإيصال المكروه أو السوء إلى المقصود من حيث لا يشعر. ومكر المخلوق مذموم مطلقاً لأنه ينشأ عن خيانة وغدر وظلم وعجز.
مكر الله
صفة مقابلة وجزاء؛ وهو تدبير الله الخفي المحكم لإحباط كيد الماكرين ومجازاتهم بجنس عملهم من حيث لا يحتسبون ولا يشعرون، فينقلب مكرهم وبلاً عليهم وتتحقق إرادة الله بنصرة أوليائه وإنجائهم.
خير الماكرين
خير اسم تفضيل، أي أعظمهم تدبيراً وأنفذهم قدرة وأعدلهم حكماً، ومكره سبحانه محمود مطلقاً لأنه عدل وحكمة وحماية للمظلوم ودحر للباطل.
وَمَكَرُوا
الواو استئنافية، مكروا فعل ماض وفاعله الواو يعود على كفار بني إسرائيل.
وَمَكَرَ اللَّهُ
الواو عاطفة، مكر فعل ماض، والله فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ
الواو استئنافية أو حالية، والله مبتدأ، خير خبره مرفوع، والماكرين مضاف إليه مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تناسب جليل بين تخطيط الحواريين لنصرة عيسى ﴿نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ﴾ وبين تخطيط الكافرين لاغتياله والقضاء على رسالته ﴿وَمَكَرُوا﴾؛ فبين الله تعالى أن الصراع ليس بين عيسى واليهود فحسب، بل هو بين الكفر الضعيف الباغي وبين قوة الله الجبار القاهر؛ فحين ظن الكفار أنهم أحكموا الخطة لصلبه، باغتهم الله بتدبيره الحكيم فنجى نبيه ورفعه إليه وتركهم يتقلبون في خيبة مكرهم وأوهام ظنونهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة: كيف يوصف الله تعالى بالمكر وهو صفة نقص وخداع في عرف الناس؟:
تعلق بعض الجهال والزنادقة بظاهر اللفظ ليزعموا أن في القرآن نسبة النقص إلى الذات الإلهية!
المحاكمة العقلية والتفنيد الصارم:
١. قاعدة أهل السنة والجماعة في الصفات المزدوجة المقابلة (كالمكر، والكيد، والاستهزاء، والمخادعة): أنها صفات كمال في موضعها؛ لأنها تدل على كمال العلم والقدرة وإحاطة التدبير بالمجرمين، بحيث يُعاملون بنقيض قصدهم ويساقون إلى حتفهم من مكمن أمنهم.
٢. المكر إذا كان مجرداً ابتداءً كان مذموماً وخيانة، أما إذا كان في مقابلة مكر المجرمين ورداً لعدوانهم وإحقاقاً للحق كان غاية العدل والقوة والحمد؛ ولهذا قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾؛ فنفى عنه مكر الظلم والغدر، وأثبت له مكر العدل والنصرة التامة.
٣. هذا الأسلوب يسمى في البلاغة العربية "المشاكلة اللفظية"؛ وهو ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته واقترانه به، كقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]؛ فالأولى ظلم وسيأة حقيقة، والثانية عدل وقصاص سُميت سيئة لمشاكلة اللفظ (شرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي، مؤسسة الرسالة، ج١، ص١٤٠-١٤٥؛ تفسير ابن كثير، ج٢، ص٤٨).
المشاكلة البلاغية في قوله ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾؛ لمطابقة الفعل مع فعل الكافرين تنكيلاً بهم وإظهاراً لهوانهم أمام بطش الله وقدرته.
صيغة التفضيل ﴿خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ حسم قاطع بأن تدبير الله هو الأعلى والأكمل، وأن مكر المخلوق مهما عظم فهو هباء منثور أمام حكمة الخالق المدبر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الدعوي والتربوي:
سكينة وطمأنينة لأهل الحق في كل زمان ومكان؛ فحين تتآمر قوى البغي وتوظف الإعلام والمكر الكبار لتصفية الدعوة إلى الله، يعلم المؤمنون أن فوق مكر هؤلاء مكراً إلهياً غالباً لا راد لأمره.
عاقبة الظلم والمكر السيئ؛ فالمكر السيئ لا يحيق إلا بأهله، ومن حارب أولياء الله فقد بارز الله بالمحاربة واستجلب هلاكه.
الوجدان الإيماني:
رسوخ الثقة في نصر الله وتفويض الأمور إليه؛ فالله يدافع عن الذين آمنوا بألطف الطرق وأحكم التدابير التي لا تخطر على قلب بشر.