أجمع القراء العشرة على إسكان دال ﴿لَّقَدْ﴾ وإدغامها في السين، وتنوين ﴿فَقِيرٌ﴾ بالرفع خبراً لـ إنّ، ورفع ﴿أَغْنِيَاءُ﴾ غير منون لمنعه من الصرف على وزن أفعلاء.
قرأ حمزة والكسائي وخلف العاشر: ﴿سَيُكْتَبُ مَا قَالُوا وَقَتْلُهُمُ﴾ بضم الياء وفتح التاء مبنياً للمجهول، ورفع (ما) نائب فاعل، ورفع (قتلُهم) عطفاً عليها، وقرأوا: ﴿وَيَقُولُ ذُوقُوا﴾ بياء الغيبة؛ أي ويقول الله أو الملك الموكل بالعذاب.
وقرأ الباقون (نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم، وأبو جعفر، ويعقوب): ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ﴾ بنون العظمة، ونصب (ما) مفعولاً به، ونصب (قتلَهم) عطفاً عليها، وقرأوا: ﴿وَنَقُولُ﴾ بالنون أيضاً (النشر في القراءات العشر، ج٢، ص٢٥٣؛ التيسير، ص٩٣).
أسباب النزول وسياق الأثر:
وقاحة وافتراء عظيم صدر من يهود المدينة المنورة حين نزل قول الله تعالى: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ وقوله: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُنفِقُ﴾، فتهكم حبرهم فنحاص بن عازوراء بالآية وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لأبي بكر الصديق: "يا أبا بكر، إن ربكم يطلب منا القرض، وما يطلب القرض إلا الفقير من الغني، فالله فقير ونحن أغنياء، ولو كان غنياً ما استقرض منا!".
أخرج ابن أبي حاتم وابن جرير الطبري (ج٥، ص٩٦٥)مصدر غير محدد٥/٩٦٥ والطبراني في المعجم الكبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "دخل أبو بكر الصديق رضي الله عنه بيت المدراس، فوجد من يهود ناساً كثيراً قد اجتمعوا على رجل منهم يقال له فنحاص، وكان من علمائهم وأحبارهم، فقال أبو بكر: ويحك يا فنحاص! اتق الله وأسلم، فوالله إنك لتعلم أن محمداً رسول الله، قد جاءكم بالحق من عنده تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة، فقال فنحاص: والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من حاجة من فقر، وإنه إلينا لفقير، ما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء، ولو كان غنياً ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم! فغضب أبو بكر رضي الله عنه وصكّ وجه فنحاص صكة شديدة، وقال: والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينكم لضربت عنقك يا عدو الله! فذهب فنحاص يشتكي إلى رسول الله، فأنكر فنحاص مقالته، فأنزل الله تصديقاً لأبي بكر: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ...﴾".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
سنكتب ما قالوا
سنأمر الحفظة بتسجيله وتثبيته في صحائف أعمالهم لتتم الحجة عليهم ولا ينسى منه شيء.
وقتلهم الأنبياء بغير حق
ضمّ جريمة أسلافهم في قتل أنبياء الله (كزكريا ويحيى) إلى جريمتهم في التجديف على الله؛ لأنهم راضون بفعل أسلافهم متابعون لنهجهم.
عذاب الحريق
العذاب الشديد الذي يبلغ الغاية في الإحراق بالنار الملتهبة في جهنم.
لَّقَدْ
اللام موطئة للقسم، قد حرف تحقيق.
سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا
سمع ماض، الله فاعل، قول مفعول به، الذين مضاف إليه، قالوا صلة الموصول.
إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ
إن واسمها وخبرها، ونحن مبتدأ، أغنياء خبر، والجملتان مقول القول.
سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا
السين للاستقبال والوعيد، نكتب مضارع والفاعل نحن، ما موصولة مفعول به، قالوا صلتها (أو سيكتب ما قالوا برفع ما نائب فاعل على قراءة حمزة).
وَقَتْلَهُمُ الْأَنبِيَاءَ
معطوف على ما قالوا منصوب (أو مرفوع بالضم على قراءة حمزة)، الأنبياء مفعول به للمصدر (قتل).
بِغَيْرِ حَقٍّ
جار ومجرور نعت لمصدر محذوف؛ أي قتلاً بغير حق.
وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ
ونقول معطوف على نكتب، ذوقوا أمر وفاعله، عذاب مفعول به، الحريق مضاف إليه، والجملة مقول القول.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أعظم هذا الربط الإعجازي بين آيات الإنفاق ومواقف أهل الكتاب؛ لما أمر الله بالإنفاق وحذر من البخل في الآية السابقة: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾، كشف هنا عن جذر البخل العقدي عند يهود وأحبارهم؛ فلم يكتفوا بالبخل بالمال، بل تجاوزوا ذلك إلى أسوأ وقاحة وتجديف على الذات الإلهية بزعمهم أن الله فقير يستجدي الصدقات والقروض وهم الأغنياء! فجمع القرآن بين جريمتهم اللسانية في حق الله، وجريمتهم التاريخية في قتل الرسل، وحكم عليهم بالخلود في عذاب الحريق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دفع شبهة استقراض الله في قوله ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾:
تعلق أحبار يهود باللفظ القرآني (يُقرض الله) بسوء نية ومغالطة سفسطائية مكشوفة؛ والتحقيق العقلي واللغوي: أن الله تعالى هو الغني المطلق الذي له ملك السماوات والأرض وخزائن كل شيء، والعباد كلهم فقراء إليه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. وإنما سمى الله النفقة في سبيله والصدقة على الفقراء "قرضاً حسناً" من باب:
اللطف والتكريم للعبد المؤمن وتحفيزه على البذل.
وتأكيد ضمان العوض ومضاعفة الجزاء؛ لأن القرض واجب السداد في العرف، فضمن الله للعبد أن يرد له الصدقة أضعافاً مضاعفة في جنات النعيم، كما يقال لمن اصطنع معروفاً: (لك عندي يد وقرض سأكافئك عليه). فقصد التكريم حوله الخبثاء إلى تجديف وقح، فاستوجبوا لعنة الله (مفاتيح الغيب للرازي، ج٩، ص١٢٠؛ منهاج السنة النبوية، ج١، ص١٤٠).
التصدير بـ ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾: قسم وتحقيق واستحضار لصفة السمع الإلهي المحيط؛ وفيه طمأنة لأبي بكر الصديق رضي الله عنه بأنه لم يظلم فنحاص حين صك وجهه، ووعيد مرعب لليهود بأن قولهم مسجل في ديوان الحساب.
عطف (القتل) على (القول): ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنبِيَاءَ﴾؛ للربط بين جرائم الأجيال المتعاقبة؛ فالراضي بالذنب كفاعله، ومن تجرأ على قتل الأنبياء لا يستغرب منه التجديف على رب الأرباب.
التعبير بـ ﴿عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾: فعيل للمبالغة في الإحراق؛ جزاءً لقلوبهم المحترقة بالغل والحسد والوقاحة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الغضب لله ولحرماته وعقائده؛ كما فعل الصديق رضي الله عنه حين لطم فنحاص غيرة على جناب التوحيد.
معرفة الطبيعة التاريخية والعدائية لأحبار يهود وتجرؤهم على الله ورسله، وعدم الاغترار بدعاويهم.