قرأ قالون وورش والبزي وأبو عمرو ويعقوب بتسهيل همزة ﴿هَا أَنتُمْ﴾ أو إبدالها ألفاً، وقرأ قنبل بحذف الألف وإثبات الهمزة محققة، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وخلف وابن عامر وأبو جعفر بإثبات الألف وتحقيق الهمزة مع المد والمنفصل على أصولهم (النشر في القراءات العشر لابن الجزري، ج٢، ص٢١٤)مصدر غير محدد٢/٢١٤.
توبيخ ثانٍ لأهل الكتاب على تجرؤهم بالخوض في الغيبيات والجدل في قضايا تاريخية لا علم لهم بها؛ فإذا كانوا يجادلون في أمور شريعتهم وتوراتهم وإنجيلهم التي بين أيديهم ولهم بها نوع معرفة، فما بالهم يجادلون في شأن إبراهيم وتاريخه الذي لم تتطرق إليه كتبهم إلا مجملاً ولم ينزل فيه حكم مذهبي؟!
قال ابن عباس ومجاهد: "حاججتم في أمر موسى وعيسى والتوراة والإنجيل مما عندكم فيه كتب وأثر، فلم تجادلون في إبراهيم وهو متقدم على كتبكم ولا علم عندكم بأمره إلا من وحي الله الصادق؟!" (تفسير الطبري، ج٥، ص٤٥٥)مصدر غير محدد٥/٤٥٥.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
ها أنتم هؤلاء
أسلوب نداء وتنبيه مركب للتشخيص ولفت الأنظار إلى عيبهم وسوء مسلكهم.
حاججتم فيما لكم به علم
أي ما ورد في كتبكم وتناولته نصوصكم، وإن كان علمكم فيه مشوباً بالتحريف.
فيما ليس لكم به علم
أمر إبراهيم وملته وتفاصيل خلقه وتوحيده، الذي هو غيب محض لا يعلم إلا بوحي خالص.
والله يعلم وأنتم لا تعلمون
حسم الحقيقة الإلهية؛ فعلم الله محيط أزلي، وعلم البشر محدود قاصر معرض للجهل والنسيان والهوى.
هَا
حرف تنبيه.
أَنتُمْ
ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
هَٰؤُلَاءِ
الها للتنبيه، أولاء اسم إشارة مبني في محل رفع خبر أول لأَنتم (أو منادى حذف حرف ندائه، أي يا هؤلاء).
حَاجَجْتُمْ
فعل ماض مبني على السكون وفاعله التم، والجملة خبر ثانٍ لأنتم أو حال من اسم الإشارة.
فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ
فيما جار ومجرور متعلقان بحاججتم، وما موصولة، ولكم خبر مقدم، وبه متعلقان بعلم، وعلم مبتدأ مؤخر، والجملة صلة الموصول.
الفاء عاطفة، لم متعلقان بتحاجون، تحاجون مضارع مرفوع، وفيما متعلقان به، وليس فعل ماض ناقص، ولكم خبرها مقدم، وعلم اسمها مؤخر.
وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
الواو استئنافية، الله مبتدأ وجملة يعلم خبره، والواو عاطفة وأنتم مبتدأ وجملة لا تعلمون خبره.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تدرج عقلي رائع في إفحام المجادلين: انتقل من إلزامهم بالتاريخ الزمني في الآية السابقة إلى إلزامهم بالمنهج المعرفي وأصول التلقي هنا؛ فبيّن أن مجادلتهم تنقسم إلى: جدل فيما يُدعى فيه العلم بنصوص الكتب (وهو جدلهم في موسى وعيسى)، وجدل في فراغ معرفي مطلق بلا دليل ولا أثارة من علم (وهو جدلهم في إبراهيم)، فالأول قبيح لكونه تحريفاً، والثاني أشد قبحاً وسفاهة لكونه ركوباً للجهل المحض.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التحدث في الدين والغيبيات بلا علم وبرهان:
رد القرآن الكريم على كل من يقحم عقله أو هواه في إثبات أحكام تاريخية أو عقدية غيبية دون استناد إلى مصدر معرفي معصوم.
المحاكمة العقلية:
العقل السليم يقضي بأن الكلام إما أن يستند إلى الحس والمشاهدة، أو إلى البرهان العقلي الضروري، أو إلى النقل الصادق المتواتر المعصوم. فإذا انتفت هذه المصادر الثلاثة صار القول رجماً بالغيب وتخبطاً في الجهالة، وهو عين ما وقع فيه أهل الكتاب في محاجتهم في إبراهيم الخليل (مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية، ج١٣، ص١٢٥-١٣٠)مجموع الفتاوىابن تيمية١٣/١٢٥.
التنبيه المكرر ﴿هَا... هَٰؤُلَاءِ﴾ لتقرير عجب السامعين من تصرفهم، وتجسيد حالتهم البائسة في الجدل الممجوج.
المقابلة التامة بين الجملتين الاسميّتين: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، وفيها أعظم هضم لكبرياء المعاندين وردهم إلى قدرهم الإنساني القاصر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الدعوي والتربوي:
أدب الحوار وقواعد الجدل العلمي؛ فلا يجوز الخوض في مسألة شرعية ولا تاريخية بغير علم موثق وبينة ساطعة.
التواضع المعرفي؛ فكمال العلم لله وحده، والواجب على طالب الحق التوقف عند حدود علمه وقول "لا أعلم" فيما لا يحسن.
الوجدان الإيماني:
التسليم والاطمئنان لخبر الله وعلمه؛ فحين يحكم الله في قضية ينتهي كل خلاف، ويرضى المؤمن ببيان ربه العليم الحكيم.