أجمع القراء العشرة على كسر لام التعليل وضم ياء وفتح ميم وحاء مشددة ﴿وَلِيُمَحِّصَ﴾ ونصب الصاد بأن مضمرة، ونصب قاف ﴿وَيَمْحَقَ﴾ عطفاً عليه (معجم القراءات لمختار عمر، ج١، ص٤٤٠)مصدر غير محدد١/٤٤٠.
أسباب النزول وسياق الأثر:
تكملة لبيان الحكم والمقاصد الربانية العظيمة من أحداث يوم أحد وما نزل بالمسلمين؛ فالابتلاء كير ينفي الخبث ويصفي الذهب الخالص، ويمحق الله به أهل الكفر باستدراجهم حين يفرحون بنصر موهوم عارض.
أخرج ابن جرير الطبري (ج٥، ص٨٠٢)مصدر غير محدد٥/٨٠٢ عن ابن إسحاق قال: "أي ليخلص المؤمنين بالبلاء حتى لا يبقى فيهم مدخول، ويهلك الكافرين ببغيهم وطغيانهم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
التمحيص
التخليص والتنقية من العيوب والشوائب؛ يقال: محصت الذهب بالنار إذا أذبته لتخلصه من المعادن الرديئة والشوائب، وتمحيص المؤمنين: تنقيتهم من الذنوب والأهواء والدخائل والنفاق.
المحق
النقصان والهلاك والإفناء شيئاً فشيئاً حتى لا يبقى منه شيء، ومحق الكافرين: استئصال شوكتهم وقوتهم تدريجياً بسبب بطرهم وطغيانهم.
وَلِيُمَحِّصَ
الواو عاطفة، اللام لام التعليل، يمحص: مضارع منصوب بأن مضمرة جوازاً بعد لام التعليل، والفاعل هو لفظ الجلالة (الله).
الَّذِينَ آمَنُوا
الذين: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به، آمنوا: صلة الموصول.
وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ
معطوف على (يمحص)، والفاعل مستتر تقديره هو، الكافرين: مفعول به منصوب بالياء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
نُظمت هذه الآية عطفاً على علل الآية السابقة: (وليعلم، وليتخذ، وليمحص، وليمحق)، لتكتمل منظومة الحكمة الإلهية في البلاء؛ فالبلاء له أثران متعاكسان متلازمان:
أثر على الصف المؤمن: التمحيص والتنقية وزيادة الصلابة والتخلص من شوائب الذنوب وضعاف الإيمان.
أثر على الصف الكافر: المحق والهلاك؛ لأن انتصارهم العارض يورثهم الغرور والبطر والاستعلاء، فيركبون رؤوسهم في الطغيان حتى يحيق بهم مكرهم ويبيدهم الله تعالى.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دفع شبهة الشر والضرر في الابتلاءات العسكرية والمصائب:
يتوهم ضعاف البصائر أن النكبات العسكرية شر محض، فيأتي هذا الحكم الإلهي ليؤسس لقاعدة عقلية سننية: "الشرور النسبية تحمل في طياتها خيراً كلياً محضاً"؛ فلولا أحد لما تميز المنافقون (عبد الله بن أبيّ وأصحابه)، ولولا أحد لما طُهر المؤمنون من شوائب الطمع في الغنائم، ولولا أحد لما تمادت قريش في غيها حتى جاءت الخندق فمُزقت أحزابها ومُحقت شوكتها؛ فالابتلاء علاج دقيق لازم لصلاح الجماعة المؤمنة (شفاء العليل لابن القيم، ص٢٥٠)شفاء العليلابن القيم٢٥٠.
الاستعارة التصريحية أو التبعية في التمحيص: شبه تطهير النفوس المؤمنة من ذنوبها بنزع الشوائب من الذهب بالنار الحامية؛ لأن النار لا تزيد الذهب إلا نقاءً وجودة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التسليم المطلق لحكمة الله عند نزول البلايا والمحن بالدعاة؛ فالله يمحصهم ليعدهم لحمل الأمانة الكبرى والتمكين في الأرض.
اليقين بأن انتفاش الباطل مقدمة لمحقه وهلاكه وسقوطه المريع.