أجمع القراء العشرة على وصل همزة ﴿اسْتَجَابُوا﴾ وكسر تائها، وفتح قاف ﴿الْقَرْحُ﴾ أو ضمها على الوجهين السابقين في الآية ١٤٠، ورفع ﴿أَجْرٌ﴾ مبتدأ مؤخراً منوناً، وتنوين ﴿عَظِيمٌ﴾ بالرفع نعتاً له (إعراب القرآن للنحاس، ج١، ص٣٩٦)مصدر غير محدد١/٣٩٦.
أسباب النزول وسياق الأثر:
مستهل الحديث عن "غزوة حمراء الأسد" (صبيحة يوم الأحد، غداة معركة أحد مباشرة)؛ وهي ملحمة الشجاعة النبوية الفذة، حين ندب النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه لملاحقة جيش قريش، وقال: "لا يخرجن معنا إلا من شهد القتال بالأمس"، فخرج المسلمون وهم مثخنون بالجراح يشد بعضهم بعضاً على حميرهم ودوابهم وأقدامهم استجابة لأمر الله ورسوله!
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب المغازي، باب غزوة أحد، رقم: ٤٠٧٧)مصدر غير محددحديث رقم ٤٠٧٧ عن هشام بن عروة عن أبيه قال: قالت لي عائشة رضي الله عنها: "يا ابن أختي، كان أبواك من الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح: الزبير بن العوام، وأبو بكر الصديق رضي الله عنهما؛ لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أصاب يوم أحد وانصرف عنه المشركون، خاف أن يرجعوا، فقال: من يتبعهم؟ فانتدب منهم سبعون رجلاً كان فيهم أبو بكر والزبير".
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير الطبري (ج٥، ص٩٣٠)مصدر غير محدد٥/٩٣٠ أن النبي صلى الله عليه وسلم سار حتى بلغ حمراء الأسد (على بعد ثمانية أميال من المدينة نحو مكة)، وأوقد خمسمائة نار في الليل، فملأ قلوب المشركين رعباً وظنوا أن المسلمين جاءوا في جمع لا قِبَل لهم به، ففروا هاربين إلى مكة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
استجابوا
الاستجابة هي كمال الامتثال والإذعان الفوري للطلب؛ والسين والتاء للمبالغة في سرعة الإجابة.
من بعد ما أصابهم القرح
من بعد ما نالهم من آلام الجراح وثقل المصاب وفقد الأحبة بالأمس؛ مما يجعل خروجهم اليوم معجزة إيمانية خارقة للصبر البشري.
للذين أحسنوا منهم واتقوا
إحسان في طاعة القيادة وإتقان الجهاد، وتقوى لله في ترك المعاصي والتنازع.
الَّذِينَ
اسم موصول في محل جر بدل من (المؤمنين) في الآية السابقة أو نعت له (أو في محل رفع مبتدأ).
من بعد متعلق باستجابوا، ما مصدرية، أصابهم ماض والكاف مفعول، القرح فاعل، والمصدر المؤول مضاف إليه.
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا
للذين جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، أحسنوا صلة الموصول، منهم متعلق بمحذوف حال (ومِن بيانية لبيان جنسهم لأنهم كلهم محسنون، أو تبعيضية لمن استقام منهم)، واتقوا معطوف على أحسنوا.
أَجْرٌ عَظِيمٌ
أجر مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة، عظيم نعت مرفوع.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
قمة التحول النفسي والجهادي في تربية القرآن للصحابة؛ فبالأمس كانوا في أحد يعانون من فرار واضطراب ونكبة وجراح، واليوم - بعد ساعات قليلة - يتحولون إلى قوة هجومية كاسحة تطارد جيش المشركين المنتصر إلى حمراء الأسد! فلم يقعد بهم الوجع ولم تمنعهم الجراح النازفة، بل أثبتوا براءتهم التامة من النفاق والخور، واستحقوا ثناء الله وخلود الذكر والأجر العظيم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دفع شبهة التبعيض في قوله ﴿مِنْهُمْ﴾ للصحابة:
قد يتمسك بعض المشككين بظاهر حرف (مِن) في قوله ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ﴾ ليزعم أن بعض أولئك الذين خرجوا لم يكونوا محسنين ولا متقين!
والتحقيق اللغوي والأصولي الراسخ: أن (مِن) في لسان العرب تأتي لـ "بيان الجنس" كقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾؛ أي اجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان، فالمعنى هنا: للذين أحسنوا وهم هؤلاء الموصوفون بالاستجابة كلهم؛ لأن مجرد استجابتهم وخروجهم بجراحهم النازفة هو قمة الإحسان والتقوى. وقيل: هي لتمييز الثابتين المستمرين على الإحسان إلى مماتهم؛ لأن الأجر مشروط بـ الموافاة على الإيمان والتقوى (جامع البيان للطبري، ج٥، ص٩٣٤؛ الكشاف للزمخشري، ج١، ص٤٣٤).
إبراز قيد ﴿مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾: دلالة بيانية باهرة على عظمة المشهد؛ فالفعل الشاق يعظم أجره بعظم المشقة وعسر الباعث؛ فالاستجابة في وقت الراحة سهلة، ولكن الاستجابة في قمة الألم والنزيف والجراح هي برهان الصدق المحض.
التنكير للتعظيم في ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾: لعلو شأن هذا الأجر الذي أعده الله لمن لم تكسر عزيمته مصائب الحرب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحويل الهزيمة إلى انطلاقة جديدة؛ فالمؤمن لا يستسلم للجراح ولا يركن إلى القعود، بل ينهض فوراً لمواصلة أداء الواجب.
سرعة الاستجابة لأوامر الله ورسوله في أحلك الظروف؛ وهي الميزة الفارقة بين الجند الصادقين وبين المنافقين المترددين.