لما نزلت هذه الآية شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مشقة بالغة وقالوا: يا رسول الله، ومن يطيق هذا؟! وأينا يقوى أن يتقي الله حق تقاته؟! فأنزل الله التخفيف وبيان المراد بقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
أخرج الحاكم في المستدرك (ج٢، ص٢٩٦)مصدر غير محدد٢/٢٩٦ وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وابن جرير الطبري (ج٥، ص٦٣٠)مصدر غير محدد٥/٦٣٠ وابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ قال: "أن يُطاع فلا يُعصى، وأن يُذكر فلا يُنسى، وأن يُشكر فلا يُكفر".
وأخرج الإمام أحمد (رقم: ٢٧٣٨)مصدر غير محددحديث رقم ٢٧٣٨ والترمذي (رقم: ٢١٩٣)مصدر غير محددحديث رقم ٢١٩٣ وصححه، والنسائي وابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾، ثم قال: "لو أن قطرة من الزقوم قُطرت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم، فكيف بمن تكون طعامه؟! فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
اتقوا الله حق تقاته
التقوى هي اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وحق تقاته: غايتها وكمالها الواجب والمستطاع بحسب طاقة البشر.
ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون
نهي في الظاهر عن الموت، ولكن المراد النهي عن ترك الإسلام الذي يسبب الموت على غيره؛ أي: حافظوا على الإسلام واستقيموا عليه واثبتوا على طاعة الله في كل لحظة، حتى إذا باغتكم الموت وجدكم وأنتم على دين الإسلام ثابتين.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
نداء للمؤمنين.
اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ
اتقوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل، الله لفظ الجلالة مفعول به، حق مفعول مطلق نائب عن المصدر منصوب وهو مضاف، وتقاته مضاف إليه مجرور والهاء مضاف إليه ثانٍ.
وَلَا تَمُوتُنَّ
الواو عاطفة، لا ناهية جازمة، تموتن فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد لفظاً مجزوم محلاً بلا الناهية، وحذفت نون الرفع لتوالي الأمثال، والواو المحذوفة فاعل، والنون للتوكيد.
إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ
إلا أداة حصر، الواو حالية، أنتم مبتدأ، مسلمون خبر مرفوع بالواو، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو تموتن.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تأسيس للأصل الوقائي الأعظم: بعد أن حذر المؤمنين في الآيات السابقة من طاعة أهل الكتاب الذين يسعون لردتهم كافرين، وضع لهم هنا القاعدة الصلبة التي تحميهم من الانزلاق: "تقوى الله الحقيقية" و"الاستقامة على الإسلام حتى الموت"؛ ليعلم المؤمن أن معركته الكبرى في الحياة هي المحافظة على رصيد إيمانه حياً في قلبه إلى أن يلقى ربه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة دعوى نسخ الآية بآية التغابن "فاتقوا الله ما استطعتم":
ذهب بعض المفسرين إلى أن هذه الآية منسوخة بآية التغابن لأن حق التقوى لا يطاق!
المحاكمة العقلية والتحقيق الأصولي المحكم:
١. قول المحققين من أئمة التفسير والأصول (كابن عباس ومجاهد وابن تيمية وابن كثير): إن الآية محكمة غير منسوخة، وآية التغابن مفسرة ومبينة لها وليست ناسخة؛ فـ "حق تقاته" هو بذل المستطاع من التقوى وطاعة الله، كما فسرها ابن مسعود: بطاعة الله دون معصية وشكره دون كفران، وذلك كله مقيد بحدود الاستطاعة البشرية؛ إذ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
٢. النهي عن الموت على غير الإسلام نهي عن أسبابه؛ فالمرء لا يملك موعد موته، لكنه يملك الاستمرار على الإسلام والعمل الصالح، ومن عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه، فلا تناقض ولا تعارض (مجموع الفتاوى لابن تيمية، ج١٥، ص٤٥-٥٥؛ تفسير ابن كثير، ج٢، ص٨٥).
إضافة المصدر إلى فاعله في ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ لإفادة بلوغ أقصى درجات الكمال اللائق بجلال الله وعظمته.
الاستعارة والمجاز العقلي في ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ﴾؛ حيث أسند النهي إلى الموت وهو ليس في مقدور العبد، والمراد لزوم الإيمان والموت عليه، كقولهم: "لا ألفينك هاهنا".
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الدعوي والتربوي:
تربية القلوب على دوام المراقبة والوجل من الله في السر والعلن.
الثبات على المبدأ والاستمرار في التزام الفرائض؛ فالخاتمة الحسنة ثمرة حياة عامرة بالتقوى.
الوجدان الإيماني:
لهج القلب بالتضرع: "اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، وتوفنا وأنت راضٍ عنا".