أجمع القراء العشرة على جزم ﴿لَا تَتَّخِذُوا﴾ بلا الناهية بحذف النون، وتنوين ﴿بِطَانَةً﴾ بالنصب مفعولاً أول لتتخذوا، ورفع ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ﴾ مضارع ألا يألو بثبوت النون والواو فاعل والكاف مفعول أول، ونصب ﴿خَبَالًا﴾ مفعولاً ثانياً أو تمييزاً، وكسر نون ﴿عَنِتُّمْ﴾ وضمتها لغات، ورفع ﴿الْبَغْضَاءُ﴾ فاعلاً لبدت، ورفع ﴿أَكْبَرُ﴾ خبراً للمبتدأ (ما تخفي صدورهم) (التيسير للداني، ص٩٠)مصدر غير محدد٩٠.
أسباب النزول وسياق الأثر:
نزل هذا الأصل الأمني والدستوري العظيم لحماية المجتمع الإسلامي من الاختراق والتجسس؛ حين كان رجال من المسلمين يوادون رجالاً من يهود المدينة ممن كان بينهم وبينهم حلف ورضاع وجوار في الجاهلية، فكانوا يطلعونهم على أسرار المسلمين ومغازيهم بحسن نية.
أخرج ابن إسحاق وابن جرير الطبري (ج٥، ص٦٩٥)مصدر غير محدد٥/٦٩٥ وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان رجال من المسلمين يواصلون رجالاً من اليهود لما كان بينهم من الجوار والحلف في الجاهلية، فأنزل الله تعالى فيهم ينهاهم عن مباطنتهم ومناصحتهم وإفشاء أسرارهم إليهم مخافة الفتنة عليهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا...﴾".
وروى الإمام أحمد وأبو داود في سننه (رقم: ٢٩٣٢)مصدر غير محددحديث رقم ٢٩٣٢ أن أبا موسى الأشعري رضي الله عنه قدم على عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومعه كاتب نصراني، فأعجب عمر خطه وحسابه، فقال عمر: قل لكاتبك يقرأ هذا الكتاب في المسجد، فقال أبو موسى: إنه لا يدخل المسجد، قال: لم؟ أجنب هو؟ قال: بل هو نصراني! فانتهره عمر وضربه على فخذه وقال: "لا تكرموهم إذ أهانهم الله، ولا تأمنوهم إذ خونهم الله، ولا تدنوهم إذ أقصاهم الله!".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
البطانة
في كلام العرب مأخوذة من "بطانة الثوب" وهي الثوب الداخلي اللاصق ببطن الإنسان وجلده ضد "الظهارة"، والمراد خواص الرجل وأصفياؤه وأهل مشورته الذين يطلعهم على بواطن أمره وخفايا أسراره.
من دونكم
من غير أهل ملتكم ودينكم وإيمانكم؛ أي من الكفار والمنافقين واليهود.
لا يألونكم خبالاً
ألا يألو أي لا يقصر ولا يترك وسيلة، والخبال هو الفساد والاضطراب والشر في الدين والرأي والمجتمع؛ أي لا يقصرون في إفساد شؤونكم وتدبير الهلاك لكم.
ودوا ما عنتم
الود هو المحبة الباطنة، والعنت هو المشقة الشديدة والضرر والهلاك؛ أي يتمنون في قرارة نفوسهم وقوعكم في العنت والفتن والحروب.
قد بدت البغضاء من أفواههم
البغضاء هي شدة الكره والعداوة، وبدوّها من أفواههم بفلتات اللسان والطعن في الدين والاستهزاء.
وما تخفي صدورهم أكبر
ما تواريه قلوبهم من الحقد والغدر والغل ضد المسلمين أعظم وأطم مما تنطق به ألسنتهم.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
نداء للمؤمنين.
لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً
لا ناهية، تتخذوا مضارع مجزوم بحذف النون، بطانة مفعول به أول.
مِّن دُونِكُمْ
جار ومجرور في محل نصب مفعول به ثانٍ لتتخذوا (أو نعت لبطانة).
لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا
لا نافية، يألونكم مضارع وفاعله والضمير مفعول أول، خبالاً مفعول ثانٍ (أو تمييز)، والجملة في محل نصب نعت لبطانة.
وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ
ودوا فعل وفاعل، ما مصدرية، عنتم صلتها، والمصدر المؤول مفعول به لودوا، والجملة نعت ثانٍ لبطانة.
قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ
قد حرف تحقيق، بدت ماض والتاء للتأنيث، البغضاء فاعل مرفوع، من أفواههم متعلقان ببدت، والجملة استئناف بياني.
وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ
الواو حالية أو عاطفة، ما اسم موصول مبتدأ، تخفي صدورهم صلة الموصول، أكبر خبر المبتدأ مرفوع بالضمة، والجملة في محل نصب حال.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تشريح نفسي وأمني كاشف للمجتمع المعادي: بعد أن بين كيدهم الخارجي ومؤامراتهم في الآيات السابقة، حسم هنا "الأمن الداخلي للدولة والمجتمع المسلم"؛ فوضع سداً منيعاً يحظر على المسلمين تقليد غير المؤمنين بطانة ومستشارين ومواضع سر الدولة؛ لأن الموالاة والمخالطة الحميمية تلغي الحذر وتكشف نقاط الضعف لمن يتربص بالأمة شراً مستطيراً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة التفرقة بين "البر والإقساط" وبين "اتخاذ البطانة والموالاة":
هل يتعارض هذا النهي مع قوله تعالى: ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ... أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: ٨]؟
المحاكمة العقلية والتحقيق الفقهي والسياسي السلفي:
فرق دقيق وجوهري في الشريعة والسياسة بين أمرين:
١. البر والعدل وحسن المعاملة الدنيوية مع غير المقاتلين والمعاهدين والذميين: وهذا مأمور به شرعاً وإحساناً وقسطاً.
٢. اتخاذهم "بطانة وموضع سر وحملة لمفاصل القرار والأمن الحساس في الأمة": وهذا منهي عنه قطعاً في هذه الآية؛ لأن اختلاف العقيدة والدين يولد في النفوس تعاطفاً مع أهل ملته وتمنياً لضعف الدولة المسلمة ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾؛ فالحذر السياسي والأمني واجب شرعي لحماية بيضة الإسلام وأسرار الأمة (أحكام أهل الذمة لابن القيم، دار ابن حزم، ج١، ص١٥٠-١٦٥؛ تفسير القرطبي، ج٤، ص١٨٥).
الاستعارة التمثيلية البديعة في لفظ ﴿بِطَانَةً﴾؛ المشتق من بطانة الثوب، للتنفير من إدخال المخالفين في أخص خصوصيات الأمة وأسرارها.
التقابل والتفوق في ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾؛ لتصوير بركان الحقد الدفين؛ فما ينفلت على ألسنتهم من البغضاء ليس إلا قطرة من بحر العداوة المستقر في صدورهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الدعوي والتربوي:
الحذر واليقظة الأمنية والسياسية لقادة الأمة وولاة الأمور؛ فلا تُسلّم المناصب الحساسة ومفاصل الدولة لمن لا يدين بدينها ولا ينصح لأهلها.
إعمال العقل والبصيرة في إدارة العلاقات الدولية وعدم الانخداع بالمعسول من القول.
الوجدان الإيماني:
الولاء التام لله ولرسوله وللمؤمنين؛ فالمؤمن الحقيقي يجعل قلبه ومودته وسره مع إخوانه في العقيدة والدين.