أجمع القراء العشرة على فتح لام وميم ﴿لِمَ﴾ وحذف الألف، وتاء ﴿تَكْفُرُونَ﴾ للخطاب، وكسر تاء ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾، ونصب الحال في ﴿وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ (الحجة لابن زنجلة، ص١٦٦)مصدر غير محدد١٦٦.
أسباب النزول وسياق الأثر:
نداء تقريعي وتوبيخي مباشر لأهل الكتاب بالمدينة؛ لما كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن وهم يجدون نعته وصفته وبشارته مكتوبة عندهم في التوراة والإنجيل، ويعلمون صدقه كما يعلمون أبناءهم.
قال قتادة والسدي: "﴿وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ أي: تشهدون أن نعت محمد صلى الله عليه وسلم في كتبكم، وتشهدون أن آيات القرآن ودلائل نبوته حق، ثم تكفرون به حسداً وبغياً" (تفسير الطبري، ج٥، ص٤٦٥)مصدر غير محدد٥/٤٦٥.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
لم تكفرون بآيات الله
استفهام تقريع وتوبيخ وتعجيب من كفر يصدر عن معرفة ويقين.
آيات الله
حججه وبراهينه الباهرة، والقرآن المعجز، والبشارات النبوية في كتبهم.
وأنتم تشهدون
شهادة العقل والعلم والاعتراف القلبي بصدق هذا الدين، والواو حالية تزيد من شناعة الجرم؛ فالجاهل قد يُعذر بجهله، أما من كفر وهو يشهد ويعلم فجرمه مضاعف.
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ
نداء مضاف.
لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ
لم جار ومجرور متعلقان بتكفرون، تكفرون مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، وبآيات متعلقان بتكفرون، والله مضاف إليه.
وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ
الواو حالية، أنتم ضمير منفصل مبتدأ، تشهدون مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو تكفرون.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تدرج محكم في ملاحقة خبايا نفوسهم: بعد أن بين في الآية السابقة رغبتهم ومكرهم في إضلال المؤمنين ﴿وَدَّت طَّائِفَةٌ﴾، فاجأهم هنا بنزع القناع عن سبب هذا المكر؛ وهو الكفر العمدي عن بينة وبصيرة، فواجههم بالحقيقة المرة التي يخفونها في صدورهم لإسقاط كبريائهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة كفر العناد وحقيقته النفسية:
كيف يصح عقلاً أن يكفر إنسان بآيات الله وهو يعلم يقيناً أنها حق؟
المحاكمة العقلية والتحليل النفسي:
الكفر ليس محصوراً في الجهل والشك؛ بل أعظم الكفر هو "كفر الجحود والعناد" الذي ينشأ عن الكبر والحسد والخوف على المصالح الدنيوية والرياسة الاجتماعية، كما كفر إبليس وهو يعلم قدرة ربه وعاين الملائكة، وكما كفر فرعون وقومه ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]. فكان كفر أحبار أهل الكتاب من هذا الصنف المردي (مجموع الفتاوى لابن تيمية، ج٧، ص١٩٠-٢٠٠)مجموع الفتاوىابن تيمية٧/١٩٠.