أخرج ابن جرير في «جامع البيان» (6/365)جامع البيانالطبري٦/٣٦٥ وابن أبي حاتم (الرقم: 3114)مصدر غير محددحديث رقم ٣١١٤ والحاكم (2/290)مصدر غير محدد٢/٢٩٠ وصححه عن ابن عباس وقتادة والضحاك في قوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ قالوا: «سماه الله يحيى لأنه أحياه بالإيمان والنبوة، ولم يكن له سمي من قبل».
وفي قوله: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾: أجمع المفسرون (ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن) على أن «الكلمة» هنا هو عيسى بن مريم عليه السلام؛ سمي كلمة لأنه خلق بكلمة ﴿كُنْ﴾ من غير أب، وكان يحيى أكبر من عيسى بستة أشهر، وهو أول من آمن به وصدق بنبوته وشهد له بالحق.
وفي قوله: ﴿وَحَصُورًا﴾: أخرج الإمام أحمد في «المسند» (الرقم: 2289)مسند الإمام أحمدأحمد بن حنبلحديث رقم ٢٢٨٩صحيح بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَهُ ذَنْبٌ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا...»، والحصور هو الذي حصر نفسه ومنعها من الشهوات المحرمة تفرغاً لعبادة الله وعفة وورعاً.
قوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾: قرأ ابن عامر وحمزة بالكسر على إضمار القول: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾، وقرأ الباقون بفتح الهمزة: ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ بنزع الخافض أي بالبشارة، وقرأ حمزة والكسائي وخلف بتخفيف الشين وإسكان الباء: ﴿يَبْشُرُكَ﴾، وقرأ الجمهور بالتشديد: ﴿يُبَشِّرُكَ﴾.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
يُبَشِّرُكَ: البشارة الإخبار بالخير العظيم السار الذي تظهر آثاره على بشرة الوجه بالفرح والاستبشار.
مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ: حال من يحيى، وتصديقه بعيسى عليه السلام تصديق بنبوته ورسالته ومعجزاته.
سَيِّدًا: السيد هو الشريف العظيم الحليم الكريم الذي يسود قومه ويقودهم بحلمه وعلمه وتقواه وورعه.
حَصُورًا: فعول للمبالغة من الحَصْر، وهو الحبس والمنع؛ والحصور هو المبالغ في قهر الشهوات والترفع عن الملذات تبتلاً لربه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
سرعة الاستجابة الإلهية المقرونة بالصلاة:
جاء التعبير بالفاء العاطفة ﴿فَنَادَتْهُ﴾ ليدل على الفورية المباشرة؛ فما إن أتم دعاءه وهو قائم يصلي في المحراب حتى نزلت الملائكة تبشره بالاستجابة وتسمي له الولد يحيى، وتعدد مناقبه وصفاته الأربع الكبرى (مصدقاً بكلمة من الله، وسيداً، وحصوراً، ونبياً من الصالحين).
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة معنى الحصور: هل هو العنين العاجز جنسياً؟:
زعم بعض المفسرين خطأ أن الحصور هو الذي لا نطفة له ولا إرب له في النساء لعاهة خَلقية.
المحاكمة والتحقيق الرصين عند المحققين (ابن تيمية وابن كثير وابن القيم): العيب الخَلقي والعجز الجنسي نقص لا يمدح به الأنبياء؛ والمدح إنما يتوجه إلى من يملك الشهوة والقدرة ويقهرها عفافاً وورعاً وزهداً لله تبارك وتعالى، فالحصور هو الممتنع عن الشهوات المحرمة تفرغاً للرسالة لا العاجز عنها.