وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
القراءات المتواترة والتوجيه:
أجمع القراء العشرة على فتح دال وقاف ﴿صَدَقَ اللَّهُ﴾، وكسر باء ﴿فَاتَّبِعُوا﴾، ونصب تاء ﴿مِلَّةَ﴾ مفعولاً به، ونصب ﴿حَنِيفًا﴾ حالاً من إبراهيم، وجر ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾ بالياء خبراً لكان (التيسير للداني، ص٨٨)مصدر غير محدد٨٨.
أسباب النزول وسياق الأثر:
إعلان انتصار الحق وسقوط باطل اليهود ودعوة الناس جميعاً إلى الرجوع إلى النبع الصافي؛ ملة إبراهيم الحنيفية المسلمة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: "﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ فيما أخبر به عن طعام بني إسرائيل، وفيما أنزل من القرآن، ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ وهي الإسلام الذي بعث به محمداً صلى الله عليه وسلم، واتركوا ما أحدثتم من البدع والتحريفات".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
قل صدق الله
صدق في أخباره وأحكامه ووعده ووعيده وكتبه.
فاتبعوا ملة إبراهيم
الملة هي الدين والشريعة والمنهاج، واتباعها هو الاقتداء العملي بالتوحيد الخالص.
حنيفاً
مائلاً عن الشرك إلى التوحيد، مستقيماً على طاعة الله.
وما كان من المشركين
تكرار للتنزيه والبراءة التامة للخليل من شرك أهل الكتاب والمشركين.
قُلْ
فعل أمر وفاعله مستتر.
صَدَقَ اللَّهُ
فعل ماض ولفظ الجلالة فاعل، والجملة مقول القول.
فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ
الفاء فصيحة، اتبعوا أمر وفاعله، ملة مفعول به منصوب، إبراهيم مضاف إليه مجرور بالفتحة.
حَنِيفًا
حال منصوبة من إبراهيم.
وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
الواو حالية أو عاطفة، ما نافية، كان فعل ناقص واسمها هو، ومن المشركين خبرها شبه جملة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تتويج ناصع وبلاغ ختامي لمناظرة الطعام والشرائع: لما أفحمهم بالبرهان وبان عجزهم وثبت كذبهم على إسرائيل والتوراة، جاء هذا الأمر الإلهي الجليل ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ كراية نصر تعلن ثبوت صدق الوحي القرآني في كل ما يخبر به، وتدعو الخلق كافة إلى التخلي عن تحريفات اليهود والتزام ملة إبراهيم الحنيفية التي يمثلها الإسلام.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التناقض بين دعوى الانتساب لإبراهيم ومخالفته في التوحيد:
ألزمت الآية أهل الكتاب والمشركين بالحجة العقلية: إن كنتم تزعمون حب إبراهيم والانتساب إليه فاتبعوا ملته الحقيقية المبرأة من الشرك، فبما أنكم تشركون بالله وتتخذون العباد أرباباً فقد انقطعت صلتكم بإبراهيم وصار أتباع محمد صلى الله عليه وسلم هم أتباعه الصادقين (مجموع الفتاوى لابن تيمية، ج٤، ص٢١٠)مجموع الفتاوىابن تيمية٤/٢١٠.