أخرج ابن جرير في «جامع البيان» (6/313)جامع البيانالطبري٦/٣١٣ وابن أبي حاتم (الرقم: 3054)مصدر غير محددحديث رقم ٣٠٥٤ عن ابن عباس قال: «نزلت في رهط من المسلمين (حاطب بن أبي بلتة وغيره) كانوا يوادون يهود وينقلون إليهم الأخبار لمصانعتهم على أموالهم وقراباتهم، فنهى الله المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين».
وروى عبد الرزاق وابن جرير عن الحسن البصري في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ قال: «التقية جائزة للمؤمن إلى يوم القيامة باللسان فقط مع طمأنينة القلب بالإيمان».
وجاء في «صحيح البخاري» (الرقم: 6131)صحيح البخاريالبخاريحديث رقم ٦١٣١ عن عائشة رضي الله عنها في قصة استئذان رجل سوء على النبي صلى الله عليه وسلم فلما دخل ألان له القول، فلما خرج قالت له عائشة: ألنْتَ له القول وقد قلت فيه ما قلت؟! فقال: «يَا عَائِشَةُ، إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ».
ضبط القراءات والروايات المتواترة:
قوله تعالى: ﴿تُقَاةً﴾: قرأ القراء العشرة بضم التاء وقاف بعدها ألف: ﴿تُقَاةً﴾، وقرأ يعقوب ومجاهد وحميد بن قيس: ﴿تَقِيَّةً﴾ بفتح التاء والقاف وياء مشددة مفتوحة.
قوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ﴾: كسر الذال لالتقاء الساكنين وهو مجزوم بلا الناهية.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
أَوْلِيَاءَ: جمع ولي، والولاء مأخوذ من القرب والنصرة والمحبة الباطنة والتناصر؛ واتخاذهم أولياء أي مناصرتهم، ومظاهرتهم على المسلمين، وإفشاء أسرار الدولة إليهم، وتقديم مودتهم على مودة أهل الإيمان.
فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ: تعبير قاطع للبراءة التامة؛ أي برئ من ولاية الله وعهده ورحمته، وليس له نصيب من حماية الله وتوفيقه.
تُقَاةً: مصدر اتقى يتقي، والمراد المداراة الظاهرة باللسان لدفع الضرر الحتمي والأذى الماحق عند الضعف والعجز، دون موالاة قلبية ولا إعانة على محرم.
وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ: تخويف وترهيب بالغ؛ أي خافوا بطشه وغضبه وانتقامه إن واليتم أعداءه، فالله أعظم وأقوى من كل جبار.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تأصيل قضية الولاء والبراء في المجتمع المسلم:
بعد أن فضح كفر أهل الكتاب وقتلهم الأنبياء ومكرهم، وجه النهي الصارم للجماعة المسلمة بالمدينة: إياكم أن تنخدعوا بمودتهم، أو تتخذوهم بطانة وأولياء تستنصرون بهم على إخوانكم المؤمنين؛ فالمجتمع المسلم يجب أن يكون متلاحماً مستقلاً في ولائه وقراره وسيادته.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة فقه التقية وضوابطه السنية المحكمة:
خلط بعض الفرق الباطنية (كالرافضة) في مفهوم التقية فجعلوها أصلاً للدين ونفاقاً دائماً واستحلالاً للكذب في كل حال.
التحقيق العقدي والفقهي عند أهل السنة (البخاري، والقرطبي، وابن تيمية):
التقية رخصة استثنائية مؤقتة خاصة بحالة «الإكراه والضعف الشديد»؛ كحال عمار بن ياسر حين عذب في مكة، وتكون باللسان فقط ومداراة الظالم لدفع الهلاك: «إِنَّمَا التَّقِيَّةُ بِاللِّسَانِ وَالقَلْبُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ» (قول ابن عباس).
لا تجوز التقية في سفك دم معصوم، ولا في قتال المسلمين، ولا في إبطال الشريعة، وليست التقية مداهنة في الدين ولا تنازلاً عن أصول العقيدة مع القدرة.
التفريق التام بين «التقية» الجائزة للضرورة، وبين «البر والإقساط» الدنيوي المشروع للمعاهدين والوالدين الكافرين غير المحاربين: ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾.
التهويل والردع في ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾:
إضافة التحذير إلى «النفس» أقصى درجات الترهيب والتعظيم في الخطاب القرآني؛ لتستشعر القلوب جلال الربوبية فيبطل كل خوف من المخلوقين أمام خشية الخالق سبحانه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
حراسة الأمن الفكري والاستخباري للأمة:
توجب الآية على القادة والشعوب المسلمة حفظ أسرار الدولة، وعدم الركون إلى القوى المعادية، وترسيخ الانتماء للأمة الإسلامية فوق كل انتماء عرقي أو حزبي.