وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
القراءات المتواترة والتوجيه:
أجمع القراء العشرة على فتح نون ﴿لَن تُغْنِيَ﴾ بتاء التأنيث منصوباً بلن، ورفع ﴿أَمْوَالُهُمْ﴾ فاعلاً، وعطف ﴿وَلَا أَوْلَادُهُم﴾ بالرفع، وتنوين ﴿شَيْئًا﴾ بالنصب مفعولاً به أو مفعولاً مطلقاً، ورفع ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾ خبراً لأولئك (التيسير للداني، ص٨٩)مصدر غير محدد٨٩.
أسباب النزول وسياق الأثر:
مقابلة صارمة بين حال المؤمنين الصالحين المحفوظة أعمالهم في الآية السابقة وبين حال الكافرين المعاندين الذين يغترون بأموالهم وأولادهم وظهورهم الدنيوي؛ لبيان أن كل ثرواتهم وعشائرهم لن تدفع عنهم ذرة من عذاب الله إذا نزل.
روي عن ابن عباس ومجاهد: "تكرر هذا الوعيد في السورة لتأكيد بطلان اعتزاز أهل الكتاب والمشركين بكثرة أموالهم وأولادهم، وأنها لا تغني عنهم من بأس الله شيئاً في الدنيا ولا في الآخرة".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
لن تغني عنهم
الإغناء هو الدفع والنفع والكفاية؛ أي لن تدفع عنهم العذاب ولن تنفعهم في رد بأس الله.
أموالهم ولا أولادهم
تخصيص هذين الأمرين لأنهما أعظم ما يعتز به الإنسان ويستنصر به في صراعات الدنيا لدفع المكاره.
من الله شيئاً
من عذاب الله وبأسه وقضائه، وشيئاً أي نفعاً أو دفعاً ولو كان يسيراً حقيراً.
أصحاب النار هم فيها خالدون
الملازمة الدائمة والخلود الأبدي في الجحيم.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
إن واسمها وجملة كفروا صلتها.
لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ
لن حرف نصب، تغني مضارع منصوب، عنهم متعلقان بتغني، أموالهم فاعل مرفوع والهاء مضاف إليه.
وَلَا أَوْلَادُهُم
معطوف على أموالهم مرفوع.
مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا
من الله متعلقان بتغني، وشيئاً مفعول به أو مفعول مطلق (أي شيئاً من الإغناء)، وجملة لن تغني خبر إن.
وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ
استئناف، أولئك مبتدأ، أصحاب خبر، والنار مضاف إليه.
هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
جملة اسمية في محل نصب حال (أو خبر ثانٍ).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
توازن التقابل القرآني: لما ذكر في الآية السابقة أن المؤمنين الصالحين لن يُكفروا ما فعلوا من خير ولو قل، واجه هنا الكافرين المتربصين بالحق ببيان أن كل ما يجمعونه من أموال طائلة وأولاد كثر لن يدفع عنهم شيئاً؛ فالقضية ليست بالكثرة العددية والمالية، بل بالإيمان والعمل الصالح والتقوى.
لماذا تكررت هذه الآية بلفظها في أول سورة آل عمران (الآية ١٠) وهنا في الآية (١١٦)؟
المحاكمة العقلية والبلاغية:
التكرار هنا جاء لتثبيت الحقيقة في موضعين متمايزين من سياق السورة:
في الموضع الأول (الآية ١٠): جاء الوعيد في مستهل السورة بعد ذكر المحكم والمتشابه وعناد الكافرين وشبهاتهم، لبيان هوانهم على الله.
وهنا في الموضع الثاني (الآية ١١٦): جاء توطئة وربطاً بتمثيل نفقاتهم وأموالهم الباطلة في الآية اللاحقة ﴿مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هَٰذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾؛ لبيان أن أموالهم لا تنفعهم في رد العذاب، ولا ينفعهم ما أنفقوه منها في وجوه الخير والرياء لأن كفرهم أحبطه (درة التنزيل وغرة التأويل للإسكافي، ص١١٥؛ التحرير والتنوير، ج٤، ص٤٥).