أجمع القراء العشرة على كسر لام ﴿بَلِ﴾ لالتقاء الساكنين، ورفع اسم الجلالة ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ، ورفع ﴿مَوْلَاكُمْ﴾ خبراً بضمة مقدرة على الألف، ورفع ﴿خَيْرُ﴾ خبراً للضمير وهو (زاد المسير، ج١، ص٣٣٧)مصدر غير محدد١/٣٣٧.
سياق الأثر:
رد قاطع لإبطال ولاية الكافرين وتوليهم؛ وتذكير بأن من كان الله وليه وناصره فلا حاجة له في ولاية أحد من أعداء الله.
قال قتادة والسدي: "نهى الله المؤمنين عن طاعة اليهود والمنافقين، وأعلمهم أنه هو مولاهم وناصرهم، فلا يبتغوا النصرة من غيره" (تفسير الطبري، ج٥، ص٨٤٠)مصدر غير محدد٥/٨٤٠.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بل
حرف إضراب إبطالي؛ يبطل ما قبله وهو موالاة الكفار وطاعتهم، ويقرر ما بعده.
الواو حالية أو عاطفة، هو: ضمير منفصل مبتدأ، خير: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة، الناصرين: مضاف إليه مجرور بالياء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
جاء الإضراب بـ ﴿بَلِ﴾ ليقلع من الجذور أي شبهة في طلب الحماية أو النصرة من الكافرين؛ كأنه يقول: لا تتولوا الكفار ولا تطيعوهم طلباً للنصرة والعزة عندهم، بل الزموا طاعة الله فهو وحده مولاكم وحافظكم، وكل ناصر سواه عاجز أو خاذل، وهو خير الناصرين؛ فنصره بالحق، ونصره دائم لا يتبدل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة تفضيل نصرة الله على نصرة غيره في قوله ﴿خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾:
قد يقال: صيغة (أفعل التفضيل) تقتضي اشتراك أطراف في أصل الصفة، فهل يملك الكفار أو المخلوقون أصلاً للنصرة حتى يكون الله خير الناصرين؟
والتحقيق العقلي: أن نصرة المخلوقين نصرة صورية ناقصة عاجزة مشوبة بالأغراض والأهواء والخوف، ونصرة الله نصرة حقيقية تامة بقوته وقدرته وإحسانه؛ فالتفضيل هنا إما لمخاطبة الناس على قدر ما يعهدونه من استنصار ببعضهم، أو هو كقوله: ﴿أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾، أي لا خير أصلاً في نصرة غيره إذا قورنت بنصرته (تفسير الألوسي، ج٤، ص٨٥)مصدر غير محدد٤/٨٥.
الإضراب الإبطالي بـ ﴿بَلِ﴾: قصف بياني صريح يبطل الفكرة الفاسدة ويستبدلها باليقين الكامل.
الحصر والتوكيد بالجملة الاسمية والضمير: ﴿وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾؛ ضمير الفصل والاسمية يفيدان الثبات والحصر، وأن النصر الحقيقي لا يُطلب إلا من بابه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحقيق الولاء الخالص لله تعالى وحده والبراءة من ولاية أعدائه.
السكينة والطمأنينة القلبية في أحلك أوقات الاستضعاف؛ فالأمة التي موالها الله لا تهزم أبداً، ولو تكالبت عليها الأمم.