قرأ الجمهور ﴿وَمُصَدِّقًا﴾ بالنصب على الحال معطوفاً على الحال السابقة ﴿وَرَسُولًا﴾ أو ﴿جِئْتُكُم﴾.
وقرئ شاذاً بالرفع على الابتداء، وجمهور القراء العشرة على النصب دلالة على استمرار صفة التصديق والتوافق بين الرسالات الإلهية (إعراب القراءات السبع وعللها لابن خالويه، دار الكتب العلمية، ج١، ص١٠٩)مصدر غير محدد١/١٠٩.
أسباب النزول وسياق الأثر:
كان بنو إسرائيل قد أثقلت كواهلهم الأحكام المشددة والآصار والتحريمات التي فرضت عليهم عقوبة لظلمهم وبغيهم، كما قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠]؛ فجاء عيسى عليه السلام ليخفف عنهم برسالته السمحاء ويحل لهم بعض ما حُرم عليهم عقوبة وتأديباً.
أخرج عبد الرزاق في مصنفه وابن جرير في تفسيره (ج٥، ص٣٩٠)مصدر غير محدد٥/٣٩٠ عن قتادة قال: "جاءهم عيسى بألين مما جاءهم به موسى، وكان موسى جاءهم بالشدة والقتل والتضييق، فأحل لهم عيسى لحوم الإبل وشحومها وطيراً وحيتاناً مما كان محرماً عليهم في التوراة تيسيراً ورحمة".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
مصدقاً
مقراً بصحة ما سبق، شاهداً بصدق التوراة الأصلية وبنبوة موسى عليه السلام، متوافقاً معها في أصول التوحيد وقواعد الدين الكلية.
لما بين يدي
تعبير قرآني كنائي عن الكتب والرسالات التي تقدمت زمنياً وكانت حاضرة ومستقرة في وعيهم وتاريخهم.
ولأحل لكم
التحليل هو رفع الحرج وإطلاق الممنوع من القيد الشرعي.
بعض الذي حرم عليكم
دلالة على أن النسخ كان جزئياً في فروع الأحكام لا في أصول الشرائع ولا في كافة الفروع، فبقي أصل التوراة عمدة الشريعة عندهم.
فاتقوا الله وأطيعون
الأمر بالتقوى الجامعة لكل خير، والأمر بطاعته فيما يبلغه عن ربه؛ لأن طاعة الرسول هي عين طاعة الله.
وَمُصَدِّقًا
الواو عاطفة، مصدقاً حال منصوبة من الضمير في "جئتكم" أو معطوفة على "رسولاً".
لِّمَا
اللام حرف جر زائد لتقوية العامل (مصدقاً) لأنه اسم فاعل عمل عمل فعله، أو اللام أصلية، وما اسم موصول في محل جر.
بَيْنَ يَدَيَّ
بين ظرف مكان منصوب متعلق بمحذوف صلة الموصول، ويدي مضاف إليه مجرور بالياء وحذفت النون للإضافة وهو مضاف لياء المتكلم.
الواو عاطفة، اللام لام التعليل، أحل فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنا، ولكم متعلقان بأحل، وبعض مفعول به، والذي مضاف إليه، وجملة حرم عليكم صلة الموصول، والمصدر المؤول معطوف على علة محذوفة تقديرها: جئتكم لأصدق ما بين يدي ولأحل لكم.
وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ
الواو عاطفة أو استئنافية، وجئتكم فعل وفاعل ومفعول به، وبآية متعلقان بجئتكم، ومن ربكم نعت لآية.
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ
الفاء فصيحة واقعة في جواب شرط مقدر، اتقوا فعل أمر وفاعله، ولفظ الجلالة مفعول به، وأطيعون معطوف عليه وحذفت ياء المتكلم تخفيفاً واكتفاءً بالكسرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
جاء هذا الترتيب لدفع شبهتين متناقضتين عند اليهود:
١. شبهة أن عيسى جاء بهدم الدين الموسوي وإبطال التوراة كلياً، فدفعها بقوله ﴿وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ مؤكداً وحدة الرسالة والمنهاج الإلهي.
٢. وشبهة الاستغناء بالتوراة عن دعوته ورسالته الجديدة، فبين لهم أن الحاجة إليه ماسة برفع الآصار وتخفيف الأغلال في قوله ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾، ثم رتب على هذين البرهانين وجوب الامتثال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة إنكار اليهود للنسخ في الشرائع وزعمهم بطلان رسالة عيسى من أجل تحليله بعض المحرمات:
زعم أحبار اليهود أن النسخ مستحيل على الله لأنه يستلزم البداء (أي ظهور ما كان خافياً على الله) وحاشا لله، واحتجوا بذلك على تكذيب عيسى لتغييره بعض أحكام السبت والمطاعم المحرمة!
المحاكمة العقلية وتفنيد الشبهة:
١. النسخ ليس بداءً، بل هو نقل المكلفين من حكم إلى حكم آخر اقتضته المصلحة في وقت معلوم عند الله بأزليته؛ فالطبيب الحكيم يصف للمريض حمية ودواءً في زمن مرضه، فإذا قارب الشفاء أباح له ما كان ممنوعاً عنه، وليس هذا جهلاً من الطبيب بل هو عين الحكمة والتدبير.
٢. التوراة نفسها نصت على نسخ أحكام شرائع سابقة؛ فقد أحل لنوح بعد الطوفان ما لم يكن مباحاً لآدم، وحرم على بني إسرائيل ما أحل ليعقوب عليه السلام، فكيف ينكرون النسخ الجزئي في شريعة عيسى وهو مصدق لأصل كتابهم ومؤيد بالآيات الباهرة؟! (تفسير الرازي، ج٨، ص٦٨؛ إرشاد العقل السليم لأبي السعود، دار إحياء التراث، ج٢، ص٤٢).
دقة التعبير بلفظ ﴿بَعْضَ﴾؛ احتراز علمي بليغ يقطع الطريق على من يدعي إسقاط التكاليف وإلغاء الشريعة؛ فالإنجيل لم يأت لإسقاط الناموس والفرائض بل لتخفيف الأثقال وتهذيب النفوس وردها إلى حقائق التقوى وجواهر الإيمان.
إيقاع الفاء الفصيحة في ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ لتوليد النتيجة الحتمية من المقدمات البرهانية؛ فإذا ثبتت رسالته بالآيات وتخفيف الأحكام لم يبق إلا التقوى والطاعة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الدعوي والتربوي:
التدرج في التشريع ومراعاة سنن التيسير؛ فالدعوة إلى الله تبنى على الرحمة والتخفيف على العباد ورفع الأغلال عنهم.
وجوب التلازم بين تقوى الله الباطنة وطاعة الرسول الظاهرة؛ فلا تقبل دعوى التقوى بلا اتباع لمنهج الرسل المعصومين.
الوجدان الإيماني:
استشعار رحمة الله بهذه الأمة المحمدية؛ إذ خفف عنها ما كان على بني إسرائيل، ووضع عنها آصارهم وأغلالهم بجعل شريعتها الحنيفية السمحة دين اليسر ورفع الحرج.