ونصب ﴿خَيْرًا لَّهُم﴾ خبراً لكان في جواب لو، ورفع ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾ مبتدأ مؤخراً (أو فاعلاً)، ورفع ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ مبتدأ وخبراً بالواو (التيسير للداني، ص٨٩)مصدر غير محدد٨٩.
أسباب النزول وسياق الأثر:
هذه هي "الشهادة الإلهية العظمى والميثاق الخالد لخيرية الأمة المحمدية وإمامتها للأمم"؛ نزلت إعلاناً لشرف هذه الأمة ومكانتها عند الله وعلة اصطفائها.
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب التفسير، باب كنتم خير أمة أخرجت للناس، رقم: ٤٥٥٧)مصدر غير محددحديث رقم ٤٥٥٧ عن أبي هريرة رضي الله عنه في قوله: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال: "كنتم خير الناس للناس؛ تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام!".
وروى الإمام أحمد (رقم: ٢٠٠١٤)مصدر غير محددحديث رقم ٢٠٠١٤ والترمذي وحسنه (رقم: ٣٠٠١)مصدر غير محددحديث رقم ٣٠٠١ وابن ماجه عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده معاوية بن حيدة القشيري رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول في قوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾: "إنكم وفَّيتم سبعين أمة، أنتم خيرُها وأكرمُها على الله عز وجل".
وروى الحاكم في المستدرك وصححه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه حج فرأى من الناس تقصيراً، فقرأ هذه الآية: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ثم قال: "يا أيها الناس، من سره أن يكون من تلك الأمة فليؤد شرط الله فيها!".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
كنتم
قيل "كان" هنا تامة أو ناقصة تفيد الاتصاف الأزلي في علم الله وقضائه ومآله؛ أي كنتم في اللوح المحفوظ وفي علم الله خير أمة.
خير أمة أخرجت للناس
الخيرية المطلقة والتفضيل على سائر الأمم؛ وأخرجت للناس: أي أبرزت لعموم البشرية لتكون قائدة وهادية ورائدة في الهداية والنفع.
تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله
المناط والشرط الوجودي للخيرية؛ وهو الجمع بين حراسة الفضيلة وإقامة الشريعة والإيمان الراسخ بالله.
ولو آمن أهل الكتاب لكان خيراً لهم
لو صدق اليهود والنصارى بمحمد والقرآن لكان خيراً لهم في دينهم ودنياهم وأخراهم.
منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون
إنصاف قرآني مستمر؛ إثبات وجود ثلة مؤمنة صادقة فيهم (كعبد الله بن سلام وأصحابه والنجاشي)، مع تقرير أن الأغلبية الكاسحة فاسقون متمردون عن طاعة الله.
كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ
كنتم كان واسمها، خير خبرها منصوب وهو مضاف، وأمة مضاف إليه.
أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ
أخرجت فعل ماض مبني للمجهول والتاء للتأنيث ونائب الفاعل مستتر يعود على أمة، وللناس متعلقان بأخرجت، والجملة في محل جر نعت لأمة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
قمة هرم السورة وخلاصة مقصدها التاريخي والحضاري: بعد أن استعرضت سورة آل عمران مسيرة النبوات والرسالات السابقة، وتحريفات أهل الكتاب وتفرقهم وتآمرهم وعجزهم عن قيادة البشرية، أعلنت هذه الآية "انتقال الإمامة والريادة والشهادة على العالم" رسمياً ونهائياً إلى أمة محمد صلى الله عليه وسلم، مبينةً أن هذه الخيرية ليست امتيازاً عرقياً فارغاً كدعاوى بني إسرائيل، بل هي أمانة رسالية مشروطة بحمل الدعوة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة: لماذا قُدّم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان بالله في الآية مع أن الإيمان هو الأصل والأساس؟:
المحاكمة العقلية والتحقيق البلاغي والدعوي:
١. الإيمان بالله أصل مشترك تدعيه سائر الأمم وأهل الكتاب، أما التميز الحقيقي والوظيفة الرسالية الفارقة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم فهي: "الخروج للناس بالأمر بالمعروف ومقاومة المنكر والفساد والجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله"، فقدم ما به التمايز والخيرية العملية المشهودة.
٢. بيان أن الإيمان الحق لا ينفك عن ثمرته العملية في نصرة الحق وقمع الباطل؛ فالإيمان المكتفي بذاته المتقوقع في الزوايا لا يصنع أمة ولا يقود بشراً.
٣. شرطية الخيرية: كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الخيرية ليست شيكاً على بياض ولا صكاً عنصرياً، فمن ضيع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفقد الإيمان فقد سلب شرف الخيرية وعاد كغيره من الغثاء (الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، ج٤، ص١٧٠-١٧٥؛ تفسير ابن كثير، ج٢، ص٩٣).
التعبير بـ ﴿أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ببناء الفعل للمجهول؛ للإشعار بأن إخراج هذه الأمة كان بتقدير إلهي كوني معجز في اللحظة التاريخية الفاصلة لإنقاذ الإنسانية من ظلمات الجاهلية.
التعدية باللام ﴿لِلنَّاسِ﴾ تفيد النفع والخدمة والرعاية؛ فوجود هذه الأمة ليس لاستعباد البشر ولا لنهب ثرواتهم كما تصنع الإمبراطوريات الطاغية، بل لنفعهم وهدايتهم وسعادتهم في الدارين.
المقابلة المنصفة في ﴿مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾؛ دقة قرآنية تحترم الحقيقة وتحفظ الفضل لأهله ولا تجور في الحكم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الدعوي والتربوي:
استشعار الأمة لرسالتها العالمية؛ فالمسلم يحمل هم الإنسانية جمعاء ويسعى في خلاصها من الشرك والضلال والظلم.
إحياء شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كافة مؤسسات المجتمع لضمان بقاء وصف الخيرية واستجلاب نصر الله.
الوجدان الإيماني:
الفخر والاعتزاز العظيم بالانتماء إلى أمة خير الخلق محمد صلى الله عليه وسلم، وشكر الله على هذه النعمة الكبرى ببذل الجهد في طاعته وإعلاء دينه.