أخرج ابن أبي حاتم في «تفسيره» (الرقم: 3077)مصدر غير محددحديث رقم ٣٠٧٧ وابن جرير في «جامع البيان» (6/334)جامع البيانالطبري٦/٣٣٤ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ قال: «هم المؤمنون من آل إبراهيم وآل عمران؛ اصطفاهم الله بالنبوة والرسالة والكتاب على عالمي زمانهم».
وجاء في «صحيح مسلم» كتاب الفضائل (الرقم: 2276)مصدر غير محددحديث رقم ٢٢٧٦ عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ».
ضبط القراءات والروايات المتواترة:
قرأ القراء العشرة باتفاق بفتح همزة «اصطفى» وصلاً، ونصب الأسماء المعطوفة: ﴿آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ﴾ مفعولاً به، وفتح النون في ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ جمع مذكر سالم مجرور بالياء.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
اصْطَفَى: الاصطفاء افتعال من الصَّفْوة، وهو تخير خيار الشيء وخالصه ونقيه من الكدر؛ واصطفاء الله لأنبيائه هو اجتباؤهم، وتطهيرهم، وإفاضة الوحي عليهم، وتخصيصهم بفضائل الرسالة.
آلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ: «الآل» مقلوب عن الأهل، ولا يستعمل إلا فيمن له شرف ورفعة؛ وآل إبراهيم هم ذريته المؤمنون (إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم)، وآل عمران هم: عمران وزوجته مريم وعيسى، أو موسى وهارون ابنا عمران.
عَلَى الْعَالَمِينَ: «العالمين» جمع عالَم، وهو كل ما سوى الله تعالى، والمراد هنا: على عالمي زمانهم؛ لأن الأمة المحمدية خُصت بالخيرية المطلقة بنص قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
براعة الاستهلال لقصة مريم وعيسى عليهما السلام:
لما أمر في الآية السابقة بطاعة الله والرسول وبيّن محبته للمؤمنين، شرع هنا في سرد السلسلة النورانية لأشرف بيوتات النبوة في التاريخ البشري، ممهداً لبيان حقيقة مولد عيسى وبراءته من دعاوى الشرك؛ فذكر أولاً آدم (أصل البشرية)، ثم نوحاً (أبو البشر الثاني بعد الطوفان)، ثم آل إبراهيم (معدن الرسالات التوحيدية الكبرى)، ثم خص آل عمران بالذكر لأن سياق السورة نزل في شأنهم ورداً على غلو النصارى فيهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة المحاباة العرقية أو التفضيل القبلي:
يظن بعض الجاهلين أن الاصطفاء قائم على الأنساب المجردة.
المحاكمة العقدية الصافية: بينت الآية التالية فوراً ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ أن الاصطفاء إنما كان لتماثلهم في الإيمان، والتوحيد، والاستقامة، والتقوى؛ فالنسب المجرد لا ينفع إذا انقطع حبل الإيمان؛ كما قال تعالى لنوح في ابنه الكافر: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾.
رتبهم ترتيباً تاريخياً بديعاً: آدم أولاً، ثم نوح، ثم إبراهيم الذي تفرعت منه فروع النبوة، ثم آل عمران الذين كان منهم آخر أنبياء بني إسرائيل (عيسى بن مريم عليه السلام)، ليكون التمهيد لبعثة خاتم الرسل محمد صلى الله عليه وسلم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شرف البيوتات الصالحة وتوارث التقوى:
تؤصل الآية لأهمية التربية الأسرية الصالحة؛ فالصلاح يورث البركة في الأعقاب، وسعي الوالدين في الاستقامة يثمر ذرية طيبة مباركة تخدم دين الله.