أجمع القراء العشرة على رفع ﴿بَيَانٌ﴾ و﴿هُدًى﴾ و﴿مَوْعِظَةٌ﴾ بالتنوين أخباراً للمبتدأ (هذا) أو أتباعاً له (التيسير للداني، ص٩١)مصدر غير محدد٩١.
أسباب النزول وسياق الأثر:
الإشارة بهذا إما إلى القرآن الكريم كله، أو إلى ما تقدم من السنن والآيات والحجج الدامغة التي نزلت في شأن أحد وتاريخ الأمم.
روى ابن جرير الطبري (ج٥، ص٧٨٨)مصدر غير محدد٥/٧٨٨ عن قتادة قال: "﴿هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ﴾ يعني القرآن، جعله الله بياناً للناس عامة، وهدى وموعظة للمتقين خاصة؛ لأنهم هم الذين ينتفعون بهداه ويتعظون بمواعظه".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
البيان
الكشف والإيضاح والإفصاح عن الحقائق، وإظهار الحق من الباطل، والحجة الساطعة.
الهدى
الدلالة الموصلة إلى البغية، والإرشاد إلى الصراط المستقيم.
الموعظة
النصح والتذكير المقرون بالترغيب والترهيب الذي يلين القلوب ويحرك المشاعر نحو التقوى.
هَٰذَا
الهاء للتنبيه، ذا: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
بَيَانٌ
خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
لِّلنَّاسِ
جار ومجرور نعت لـ (بيان).
وَهُدًى
معطوف على بيان مرفوع بضمة مقدرة على الألف.
وَمَوْعِظَةٌ
معطوف على هدى مرفوع بالضمة الظاهرة.
لِّلْمُتَّقِينَ
جار ومجرور نعت لـ (موعظة) أو متعلق به.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
لما أقام سبحانه الحجة على الأمم ودعا إلى التفكر في سنن المكذبين في الآية السابقة، بين طبيعة هذا الوحي النازل ومنزلته؛ فهو بيان جامع متاح لجميع الناس قامت به الحجة عليهم، ولكنه هدى يهتدون به وموعظة ترق بها قلوبهم خاصة بالمتقين؛ لأن الانتفاع بالنور فرع عن وجود البصيرة وقبول الحق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دفع إشكال عموم البيان وخصوص الهداية والموعظة:
قد يقال: كيف جعله بياناً لجميع الناس، ثم خصص الهدى والموعظة بالمتقين؟
والجواب الفلسفي والبياني الدقيق: أن "البيان" هو إيضاح الدلائل وعرض الحقائق على وجه يقطع العذر، وهذا حاصل لكل الناس كافرهم ومؤمنهم، فلا عذر لأحد في الجهل. أما "الهدى" المقرون بالانتفاع والتوفيق، و"الموعظة" التي تورث الخشية وتكف الجوارح، فهذه لا تكون إلا للمتقين الذين فتحوا بصائرهم وأعدوا قلوبهم لتلقي النور الإلهي (تفسير ابن كثير، ج٢، ص١١٧؛ زاد المسير لابن الجوزي، ج١، ص٣٢٩).
اسم الإشارة القريب: ﴿هَٰذَا﴾؛ للدلالة على قرب الوحي وحضوره بين أيديهم وظهوره بلا خفاء.
التدرج الدلالي العجيب: من البيان العام (المعرفي) لجميع الناس، إلى الهدى العملي للمؤمنين، ثم الموعظة الوجدانية المؤثرة للمتقين. فالعلم يعقبه العمل، والعمل يثمر الخشية والوجدان.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
توظيف القرآن في الخطاب الدعوي بشقيه: شق الحجة والبرهان العقلي المقنع للناس كافة، وشق الوعظ والتربية الروحية الخاصة بالمؤمنين والمتقين.
اختبار العبد لقلبه: إن وجد في نفسه رقة وموعظة عند سماع القرآن فليستبشر بنصيبه من التقوى، وإن وجد قسوة فليراجع إيمانه.