أجمع القراء العشرة على فتح تاء وباء ﴿تَلْبِسُونَ﴾ بكسر الباء من لَبَسَ يَلبِس (بالكسر في المضارع) إذا خلط وستر، بخلاف لَبِسَ الثوب يَلْبَسُ (بالفتح في المضارع)، ونصب ﴿الْحَقَّ﴾ مفعولاً به، وضم تاء ﴿وَتَكْتُمُونَ﴾ معطوفاً على تلبسون، وكسر ميم ﴿تَعْلَمُونَ﴾ (التيسير للداني، ص٨٦)مصدر غير محدد٨٦.
أسباب النزول وسياق الأثر:
واصل القرآن كشف وسائلهم التضليلية التي يمارسونها ضد أتباعهم وضد المؤمنين؛ وهي خلط الحق بالباطل بالزيادة والشبهات، وكتمان الحق المحض بالنقصان والإخفاء، وهما أسلوبان تضليليان لا يخلو منهما كل انحراف ديني وفكري.
أخرج ابن أبي حاتم وابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ يعني: تخلطون الصدق بالكذب في كتبكم، ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ يعني: تكتمون نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وصفته وأنتم تعلمون أنه رسول الله مكتوب عندكم في التوراة والإنجيل".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
تلبسون
اللبس هو الخلط والتشويه والستر حتى لا يتميز الشيء من غيره، مأخوذ من لبس الثوب لتغطيته الجسد.
الحق بالباطل
يخلطون ما بقي عندهم صحيحاً من نصوص الوحي بما ابتدعوه وألفوه بأهوائهم، فيروج الباطل برائحة الحق القليل المخلوط به.
وتكتمون الحق
الإخفاء والإسكات المتعمد للآيات والبشارات الصريحة بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم والشرائع المحكمة.
وأنتم تعلمون
حال مؤكدة لشناعة الجرم، فالخلط والكتمان وقعا عن معرفة ودراية تامة لا عن سهو وغفلة.
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ
نداء مضاف.
لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ
لم جار ومجرور متعلقان بتلبسون، تلبسون مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، الحق مفعول به، وبالباطل جار ومجرور متعلقان بتلبسون (أو الباء للملابسة والمصاحبة).
وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ
الواو عاطفة، تكتمون مضارع معطوف على تلبسون، والحق مفعول به منصوب.
وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ
الواو حالية، أنتم مبتدأ، تعلمون جملة فعلية خبر، والجملة الاسمية في محل نصب حال.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الطريق الثاني: "الكتمان والإخفاء" (وهو جناية النقصان وحجب النصوص الصريحة).
والجمع بينهما في سياق التقريع يبين أن صناعة الضلال عند الأحبار تقوم على هذين الجناحين التوأمين: خلط يشوش الأذهان، وكتمان يحرم القلوب من نور اليقين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة خطورة خلط الحق بالباطل وسبل مواجهته في كل عصر:
لماذا حذر القرآن من "خلط الحق بالباطل" أشد من تحذيره من الباطل الصرف؟
المحاكمة العقلية:
الباطل الصرف المحض مستقبح تنفر منه الفطر السليمة ولا ينطلي إلا على الأغبياء، أما الباطل الملبس المكسو برداء الحق والحديث المنمق فهو السحر الزائف الذي يخدع الجماهير؛ لأنهم يرون فيه وميضاً من الحق فيظنون أنه كله حق. وهذا هو عين ما يصنعه المبتدعة وأهل التحريف في كل زمان (مفتاح دار السعادة لابن القيم، دار ابن عفان، ج١، ص١٤٥؛ الفتاوى لابن تيمية، ج٢، ص٣٦٠).
تكرار لفظ ﴿الْحَقَّ﴾ مرتين في الآية: ﴿تَلْبِسُونَ الْحَقَّ... وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ لإعلاء شأن الحق والتفجيع على ضياعه وتشويهه بأيدي من ائتمنوا عليه.
التذييل بـ ﴿وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قطع لكل معذرة وكشف للتعمد الإجرامي في إضلال الخلق.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الدعوي والتربوي:
واجب العلماء والدعاة في بيان الحق ناصعاً مصفى من شوائب البدع والأهواء، والتحذير من مسالك التلبيس الإعلامي والفكري.
حرمة كتمان العلم والحقائق الشرعية من أجل مجاملة الناس أو حيازة المكاسب العاجلة.
الوجدان الإيماني:
حب الحق المجرد ونبذ الزخارف الزائفة؛ فالمؤمن الصادق يبحث عن النور الإلهي الخالص ولا يرضى بالخلط والتلبيس.