وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
القراءات المتواترة والتوجيه:
أجمع القراء العشرة على فتح لام وسين ﴿لَيْسَ﴾، وفتح كاف ﴿لَكَ﴾، وتنوين ﴿شَيْءٌ﴾ بالرفع اسماً لليس مؤخراً، ونصب باء ﴿أَوْ يَتُوبَ﴾ بأن مضمرة بعد (أو) التي بمعنى "إلى أن" أو "إلا أن" بالعطف على يقطع، أو فتح باء ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ بالعطف، وكسر همزة ﴿فَإِنَّهُمْ﴾، ورفع ﴿ظَالِمُونَ﴾ خبراً لأن بالواو (النشر لابن الجزري، ج٢، ص٢٥١)مصدر غير محدد٢/٢٥١.
أسباب النزول وسياق الأثر:
نزلت في يوم أحد حين أُصيب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكُسرت رباعيته وشُجّ وجهه الشريف وسال الدم على خده، فجعل يمسح الدم وهو يقول: "كيف يفلح قوم شجوا نبيهم وكسروا رباعيته وهو يدعوهم إلى ربهم؟!"، ودعا على نفر من صناديد قريش بأسمائهم (أبي سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام).
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب المغازي، باب ليس لك من الأمر شيء، رقم: ٤٠٦٩)مصدر غير محددحديث رقم ٤٠٦٩ ومسلم (كتاب الجهاد والسير، رقم: ١٧٩١)مصدر غير محددحديث رقم ١٧٩١ عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كُسرت رباعيته يوم أحد وشُج في رأسه فجعل يسلت الدم عنه ويقول: "كيف يفلح قوم شجوا وجه نبيهم وكسروا رباعيته وهو يدعوهم إلى الله؟ فأنزل الله عز وجل: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾".
وأخرج البخاري (رقم: ٤٠٧٠)مصدر غير محددحديث رقم ٤٠٧٠ عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر: "اللهم العن فلاناً وفلاناً وفلاناً" بعدما يقول سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ...﴾ فتاب الله عليهم كلهم فأسلموا وحسن إسلامهم!
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
ليس لك من الأمر شيء
نفي جازم للتدخل في تصريف الخلق؛ فالأمر كله لله خلقاً وتدبيراً وهداية وقضاءً، وليس للرسول صلى الله عليه وسلم مع عظيم منزلته إلا البلاغ والإنذار.
أو يتوب عليهم
"أو" هنا إما بمعنى "إلى أن" أي ينتهي أمرهم إلى أن يتوب الله عليهم بالإسلام، أو بمعنى "إلا أن"، أو هي للتنويع والتقسيم في علم الله.
أو يعذبهم فإنهم ظالمون
إن أصروا على كفرهم وظلمهم نزل بهم عذاب الله العادل.
لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ
ليس فعل ماض ناقص، لك جار ومجرور خبرها مقدم، من الأمر حال من شيء، شيء اسمها مؤخر مرفوع بالضمة، والجملة معترضة بين أطراف التعليل (أو مستأنفة).
أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ
أو حرف عطف، يتوب مضارع منصوب بأن مضمرة بعد أو (أو معطوف على يقطع ويكبت في الآية السابقة)، والفاعل مستتر تقديره هو يعود على الله، وعليهم متعلقان بيتوب.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تتويج باهر لمنزلة العبودية المحضة: في أشد اللحظات دموية وألماً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، حين شُج وجهه الطاهر وسالت دماؤه الزكية ودعا على ظالميه، استوقفه الوحي الإلهي بهذا الأدب الرباني المعجز ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾؛ ليفصل فصلاً تاماً بين مقام النبوة ومقام الألوهية؛ فالنبي عبد مكرم مبلغ، أما قلوب العباد وقسمة الهداية والعذاب فبيد الله وحده. وقد تجلت حكمة هذا التوجيه حين تاب الله على أولئك النفر بأعيانهم (أبي سفيان وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص وصفوان) فصاروا من أعظم قادة الإسلام وحملة رايته.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة عتاب النبي صلى الله عليه وسلم وكمال نبوته وصدق الوحي:
كيف يعاتب القرآن النبي صلى الله عليه وسلم في أشد حالات جراحه وألمه؟
المحاكمة العقلية وتأصيل صدق النبوة:
هذا العتاب الصريح هو من أعظم براهين صدق النبي صلى الله عليه وسلم وأن القرآن وحي معصوم من عند الله؛ فلو كان القرآن من تأليف محمد وحاشاه، لطمس هذا العتاب في مثل ذلك الموقف المهيب وهو مثخن بالجراح! ولكنه بلغه للأمة حرفاً بحرف كما نزل.
وقد تحقق إعجاز الآية في الواقع: فأولئك الذين دعا عليهم لعظم كفرهم آنذاك هداهم الله للإسلام وقادوا فتوحات الشام واليرموك ومصر، فبان أن علم الله بالقلوب هو الحاكم المحيط (زاد المعاد، ج٣، ص٢٢٠؛ منهاج السنة، ج٤، ص٤٩٠).