أخرج ابن أبي حاتم في «تفسيره» (الرقم: 2977)مصدر غير محددحديث رقم ٢٩٧٧ وابن جرير الطبري (6/230)مصدر غير محدد٦/٢٣٠ عن ابن عباس وابن مسعود وقتادة في الآية قالوا: «التقتا يوم بدر: فئة تقاتل في سبيل الله وهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه (ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً)، وأخرى كافرة وهم مشركو قريش (بين التسعمائة إلى الألف)».
وأخرج البخاري في «صحيحه» كتاب المغازي (الرقم: 3953)مصدر غير محددحديث رقم ٣٩٥٣ عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: «تَحَدَّثَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا أَنَّ عِدَّتَهُمْ كَانَتْ عَلَى عِدَّةِ أَصْحَابِ طَالُوتَ حِينَ جَاوَزَ النَّهَرَ: ثَلَاثَمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا».
ضبط القراءات والروايات المتواترة:
قوله تعالى: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ﴾: قرأ نافع وابن عامر ويعقوب بالتاء على الخطاب: ﴿تَرَوْنَهُمْ﴾، وقرأ الباقون بالياء على الغيبة: ﴿يَرَوْنَهُمْ﴾.
قوله تعالى: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ﴾: قرأ الجمهور بالرفع ﴿فِئَةٌ﴾ على أنه بدل من فئتين أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره إحداهما فئة، وقرأ الأعمش وزيد بن علي بالنصب على البدل من موضع فئتين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
فِئَتَيْنِ: الفئة هي الجماعة المنضمة بعضها إلى بعض المتناصرة في القتال، مأخوذة من فأى إذا اجتمع ورجع.
رَأْيَ الْعَيْنِ: مصدر منصوب مؤكد؛ أي رؤية بصرية عيانية يقينية لا لبس فيها ولا تخيل.
يُؤَيِّدُ: التأييد هو التقوية والتثبيت، مأخوذ من الأَيْد وهو القوة، ومنه قوله تعالى: ﴿دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ﴾.
لَعِبْرَةً: العبرة هي الانتقال الفكري من معرفة الشاهد المحسوس إلى الحكم على الغائب المجهول، مأخوذة من العبور وهو اجتياز النهر من ضفة إلى ضفة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الشاهد التاريخي الحي على صحة النبوءة:
لما قال لهم في الآية السابقة: ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾، ساق لهم هنا الدليل الحسي الواقعي القريب الذي شهدوه بأعينهم قبل أشهر قليلة في بدر: كيف التقت فئة قليلة مؤمنة حاسرة لا عدة معها بفئة كافرة تزيد عليها ثلاثة أضعاف مدججة بالسلاح، فانتصرت القلة المؤمنة ومزقت شمل الكثرة المشركة؛ دلالة على أن النصر ليس بالعدد والعتاد، بل بتأييد الله الواحد القهار.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة توجيه الرؤية في ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ﴾ وتوفيقها مع آية الأنفال:
ورد هنا: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ﴾، بينما ورد في سورة الأنفال (الآية 44): ﴿وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ فكيف الجمع؟
المحاكمة العقلية والأثرية المحررة: أجمع أئمة التفسير والتحقيق (كالطبري، وابن كثير، وابن القيم في «زاد المعاد» 3/178) على أن ذلك كان في طورين ومرحلتين مختلفتين بحسب حكمة الله في المعركة:
المرحلة الأولى (قبل التحام القتال): قلل الله المسلمين في أعين المشركين ليجترئ المشركون ولا يرجعوا، وقلل المشركين في أعين المسلمين لئلا يهابوهم ويثبتوا.
المرحلة الثانية (عند التحام الصفوف والقتال): عظم الله المسلمين في أعين المشركين فرأوا المسلمين مثليهم (أي ضعفي ما هم عليه؛ إما ضعفي عدد المسلمين أو ضعفي عدد المشركين)، فألقى الله الرعب في قلوب الكفار وانهارت معنوياتهم، فكان ذلك آية باهرة وتأييداً إلهياً حاسماً.
لم يقل وأخرى تقاتل في سبيل الشيطان؛ بل وصمها بالكفر المجرد تحقيراً لغايتها، وبياناً لأن الفارق الجوهري بين المعسكرين ليس قومياً ولا عرقياً، بل هو فارق عقدي صرف: جهاد في سبيل الله، مقابل كفر أعمى.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قانون النصر الإلهي وتجاوز الحسابات المادية:
تعلم الآية الأمة المسلمة أن الإعداد المادي فريضة شرعية، لكن الاتكال لا يكون على العدد والعتاد بل على الاستنصار بالله وتطهير الراية؛ فإذا أخلصت الفئة قتالها في سبيل الله أيدها الله بنصره وكسر كبرياء أعتى القوى.