قرأ حمزة والكسائي وخلف العاشر: ﴿قُرْحٌ﴾ و﴿قُرْحٌ مِّثْلُهُ﴾ بضم القاف في الموضعين، وقرأ الباقون (نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم، وأبو جعفر، ويعقوب): ﴿قَرْحٌ﴾ بفتح القاف، وهما لغتان فصيحتان؛ قيل: بالفتح اسم الجرح، وبالضم ألم الجرح، وقيل: هما كالضعف والضُّعف والفقر والفُقر لغتان بمعنى واحد (النشر في القراءات العشر، ج٢، ص٢٤٥)مصدر غير محدد٢/٢٤٥.
أسباب النزول وسياق الأثر:
تسلية للمسلمين عما نالهم يوم أحد؛ أي: إن كنتم قد أصبتم بالجراح والقتل يوم أحد، فإن المشركين قد أصابهم مثل ذلك من الجراح والقتل يوم بدر؛ فقُتل منهم سبعون وأُسر سبعون، وهم مع كفرهم لم يفتروا عن قتالكم، فأنتم أولى بالصبر والتجلد لأنكم ترجون من الله ما لا يرجون (تفسير ابن كثير، ج٢، ص١١٨)تفسير القرآن العظيمابن كثير٢/١١٨.
المداولة من الدَّوْل؛ وهو انتقال الشيء من يد إلى يد، ومداولة الأيام: تصريفها وتغيير أحوالها من شدة ورخاء ونصر وهزيمة وصحة وسقم بين الناس.
ويتخذ منكم شهداء
الشهداء جمع شهيد؛ إما المقتول في سبيل الله سمي شهيداً لقيامه بالشهادة لله بدمه ونفسه، وإما شهداء على الأمم يوم القيامة.
إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ
إن حرف شرط، يمسسكم: مضارع مجزوم فعل الشرط والكاف مفعول به، قرح: فاعل مرفوع بالضمة.
فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ
الفاء رابطة لجواب الشرط، قد حرف تحقيق، مس: فعل ماض، القوم: مفعول به مقدم، قرح: فاعل مؤخر، مثله: نعت لقرح، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ
الواو استئنافية، تلك: اسم إشارة مبتدأ، الأيام: بدل مرفوع، نداولها: فعل مضارع والفاعل نحن والهاء مفعول به، والجملة خبر المبتدأ، بين الناس: ظرف مكان ومضاف إليه.
وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا
الواو عاطفة على علة مقدرة؛ أي: فعلنا ذلك ليكون كذا وليعلم الله، واللام لام التعليل، يعلم: مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام، الله: فاعل، الذين: اسم موصول مفعول به.
وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ
معطوف على (ليعلم)، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو، منكم: متعلق بيتخذ، شهداء: مفعول به منصوب غير منون لمنعه من الصرف.
وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ
استئنافية، جملة نفي محبة الله للمشركين والظالمين.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
كشف بديع لعلل الهزيمة والابتلاء والحِكَم الربانية الكامنة خلف تصريف الأقدار؛ فبعد أن أمرهم بألا يهنوا ولا يحزنوا، أبان لهم هنا عن أربعة مقاصد عظمى لواقعة أحد:
المقصد الثاني: المداولة الكونية بين الناس؛ لئلا يدوم النصر لأحد فيطغى، ولا تدوم الهزيمة فييأس.
المقصد الثالث: ظهور الإيمان الصادق وتميزه عن نفاق المنافقين علماً واقعاً يتعلق به الجزاء.
المقصد الرابع: اصطفاء الشهداء؛ فإن الشهادة رتبة ربانية عليّة لا ينالها إلا الصفوة بابتلاء الجهاد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة تعلق علم الله بالزمان في قوله ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ﴾:
احتجت بعض الفرق الضالة كالمعتزلة أو الجهمية بظاهر قوله ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ﴾ لزعم حدوث العلم لله بعد وقوع الحدث!
والرد البرهاني الحاسم لأهل السنة: أن علم الله تعالى أزلي محيط بكل شيء قبل كونه، وإنما المراد بـ "علم الله" هنا: "علم الرؤية والشهود الواقعي الذي يترتب عليه الثواب والعقاب"؛ فالله يعلم في أزله ما سيكون من إيمان المؤمن وثباته، ولكنه لا يعاقب العباد ولا يثيبهم بمجرد علمه السابق فيهم، حتى يظهر ذلك في عالم الوجود بالفعل كسباً للمكلف وتتحقق الحجة عليه؛ فعلم الغيب علم تقدير، وعلم الشهادة علم إلزام بالجزاء (مجموع فتاوى ابن تيمية، ج٨، ص١٢٨؛ درء تعارض العقل والنقل، ج٢، ص٤٠).
المقابلة التناظرية: بين ما مس المسلمين وما مس المشركين؛ ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ﴾، لإثارة الأنفة والشهامة في نفوسهم.
التعبير بالمس: للدلالة على أن ألم الجراح عارض سطحي يزول ويبقى الأجر، بينما الكفار يصيبهم الألم ويزول ويبقى الوزر والنار.
التعبير بـ ﴿وَيَتَّخِذَ﴾: دلالة على الاصطفاء والتكريم الإلهي؛ فالشهداء ليسوا ضحايا مأساة عسكرية، بل هم وفد مكرم اختاره الله من بين المؤمنين ليقربهم في جواره.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استيعاب مفهوم "سنة تداول الأيام"؛ فلا ينبغي لأهل الحق أن يظنوا أن التمكين يأتيهم بغير بلاء وتمحيص.
تعزية أهالي الشهداء بأن فقدهم لأبنائهم وإخوانهم هو اصطفاء رباني عظيم وكرامة كبرى في مقعد صدق عند مليك مقتدر.