أجمع القراء العشرة على ضم تاء ﴿تُصْعِدُونَ﴾ وكسر العين من (أصعد يصعد) إذا أبعد وسار في الوادي أو صعّد في الجبل، وقرأ الحسن البصري في الشواذ بفتح التاء والعين (تَصْعَدُونَ) من الصعود في الجبل، وقرأ الجمهور بفتح تاء وسكون لام ﴿وَلَا تَلْوُونَ﴾ من الليّ وهو الالتفات، وقرأ أبو جعفر المدني وابن كثير في رواية بإدغام الواوين أو تخفيفها، وقرأ الجميع بضم همزة ﴿أُخْرَاكُمْ﴾؛ أي في جماعتكم المتأخرة أو ساقتكم (النشر في القراءات العشر لابن الجزري، ج٢، ص٢٤٦)مصدر غير محدد٢/٢٤٦.
أسباب النزول وسياق الأثر:
تصوير حي لما جرى بعد مباغتة خالد بن الوليد لجيش المسلمين من الخلف يوم أحد، واضطراب الصفوف وتفرق المقاتلين وذهابهم مصعدين في الشعب هاربين لا يلوي أحد على صاحبه، بينما ثبت النبي صلى الله عليه وسلم في عصابة من أصحابه الصادقين يصرخ فيهم: "إليّ عباد الله! أنا رسول الله!".
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب المغازي، باب غزوة أحد، رقم: ٤٠٦٤)مصدر غير محددحديث رقم ٤٠٦٤ ومسلم (كتاب الجهاد، رقم: ١٧٨٤)مصدر غير محددحديث رقم ١٧٨٤ والترمذي (رقم: ٣٠٠٧)مصدر غير محددحديث رقم ٣٠٠٧ وصححه عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش، فلما رهقوه قال: "من يردهم عنا وله الجنة، أو هو رفيقي في الجنة؟" فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قُتل، ثم رهقوه فقال: من يردهم عنا؟ حتى قتل السبعة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لصاحبيه: ما أنصفنا أصحابنا!
وأخرج ابن جرير الطبري (ج٥، ص٨٥٣)مصدر غير محدد٥/٨٥٣ عن ابن عباس قال: "أصعد القوم يوم أحد في الجبل هاربين، والرسول صلى الله عليه وسلم يدعوهم في ساقتهم وجماعتهم الأخرى: إليّ عباد الله، فأنزل الله تذكيراً بذلك الموقف العصيب: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَىٰ أَحَدٍ...﴾".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
تصعدون
أصعد في الأرض إذا أمعن في السير وأبعد هارباً، وصعد إذا ارتقى في مكان عالٍ؛ فالإصعاد سير شاق مبعد في الأرض أو الجبل.
لا تلوون
الليّ هو العطف والالتفات؛ يقال: لوى عنقه ولواه إذا أماله، والمعنى: لا يعرج أحد على أحد ولا يلتفت إليه لهول الصدمة والمفاجأة.
في أخراكم
في ساقتكم وجماعتكم المتأخرة، أو في ورائكم وأعقابكم؛ يقال: جاء في أخرى الناس؛ أي في مؤخرتهم.
فأثابكم
الإثابة في الأصل إعطاء الثواب، واستعملت هنا تهكماً وتوبيخاً أو إطلاقاً للجزاء على مقتضاه، كقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
غماً بغم
الغم هو الحزن الشديد الذي يغطي القلب ويخنق الأنفاس؛ وغماً بغم: أي جزاء غمكم لرسول الله بمعصيته، أو غماً متراكماً إثر غم (غم فوات النصر والغنائم، يتبعه غم الهزيمة والشائعة بقتل الرسول).
إِذْ
ظرف لما مضى من الزمان متعلق بالفعل المقدر (واذكروا) أو متعلق بقوله في الآية السابقة (ولقد عفا عنكم إذ تصعدون).
تُصْعِدُونَ
مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل جر بإضافة إذ إليها.
وَلَا تَلْوُونَ عَلَىٰ أَحَدٍ
الواو حالية، لا نافية، تلوون مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، على أحد متعلق بتلوون، والجملة في محل نصب حال من واو تصعدون.
وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ
الواو حالية، الرسول مبتدأ، يدعوكم جملة فعلية خبره، في أخراكم متعلق بيدعوكم أو بمحذوف حال، والجملة الاسمية في محل نصب حال ثانية.
فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ
الفاء عاطفة مسببة، أثابكم ماض وفاعله مستتر والكاف مفعول أول، غماً مفعول به ثانٍ، بغم جار ومجرور نعت لـ غماً أو متعلق بأثابكم والباء للملابسة أو السببية.
لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا
اللام للتعليل، كي مصدرية ناصبة، لا نافية، تحزنوا مضارع منصوب بحذف النون، والمصدر المؤول في محل جر باللام متعلق بأثابكم.
عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ
على ما متعلق بتحزنوا، فاتكم صلة الموصول، ولا ما أصابكم معطوف عليه.
وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
الواو استئنافية، جملة تذييلية مؤكدة لإحاطة العلم الإلهي بنياتهم وأفعالهم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص القرآني يعرض مشهداً حركياً وتصويراً درامياً مذهلاً لواقعة الفرار والاضطراب؛ فيعرض تفاصيل الذهول النفسي والميداني: الانطلاق في الإصعاد، غياب الالتفات إلى أقرب الناس، صوت القائد الأعلى يرن من الخلف بالثبات والمواجهة، ثم يوضح النتيجة النفسية الإلهية: صبّ الغموم المتلاحقة على نفوسهم حتى استغرقتهم آلام الخوف على حياة الرسول الكريم، فصار كل حزن على فوات غنيمة أو نيل جرح تافهاً وحقيراً أمام سلامة نبيهم! فكان الغم العظيم تطهيراً لهم من الغم الدنيوي الصغير.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دفع شبهة تعارض الإثابة بالغم مع قوله ﴿لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا﴾:
قد يشكل على العقل ظاهر اللفظ: كيف يثيبهم بالغم لكيلا يحزنوا، والغم هو الحزن بعينه؟
والتحقيق العلمي الدقيق: أن اللام في ﴿لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا﴾ متعلقة بمحذوف أو بالعفو الإلهي المذكور في الآية السابقة؛ أي عفا عنكم لكيلا تقنطوا ولا تحزنوا. وقيل: إن الغم العظيم الذي أذاقهم الله إياه (وهو سماع صرخة مقتل النبي صلى الله عليه وسلم) أنساهم وهون عليهم ما فاتهم من النصر وما أصابهم من الجراح والشهداء؛ فلما علموا بعد ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حي لم يمت، فرحوا فرحاً طغى على كل أحزانهم وهان عندهم كل مصاب! فكان ذلك الغم تربية نفسية عليا تعيد ترتيب أولوياتهم الوجدانية (جامع البيان للطبري، ج٥، ص٨٥٦؛ مفاتيح الغيب للرازي، ج٩، ص٤٠).
التصوير الحركي الواقعي: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَىٰ أَحَدٍ﴾؛ تشخيص قرآني مدهش يجسد حالة الذعر الذهني التام وسرعة الحركة الجسدية دون تفكير.
الطباق الإيهامي في (أثابكم غماً): التعبير بالإثابة في موضع الجزاء المؤلم؛ للإشعار بأن هذا الغم وإن بدا مكروهاً في الظاهر فهو في حقيقته ثواب ومنحة ربانية وتطهير وتربية باطنة.
تكرار الغم ﴿غَمًّا بِغَمٍّ﴾: الباء للمصاحبة والترادف؛ أي غماً متراكماً ملتصقاً بغم، ليعصر قلوبهم عصراً يمحو منها كل بقايا الطمع الدنيوي.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
كمال شجاعة النبي صلى الله عليه وسلم وثباته الميداني العظيم؛ ففي حين تصعد الجيوش وتفر، يثبت هو في أخرياتهم يدعوهم إلى النحر والمواجهة، وهو القدوة المعصومة في الشجاعة والقيادة.
تربية الابتلاء: أن الله تعالى قد يذيق العبد هماً كبيراً في دينه أو نفسه ليهون عليه به هموم الدنيا التافهة، فيخرج من المحنة أصفى قلباً وأقوى عوداً.