أجمع القراء العشرة على فتح كاف ﴿مَا كَانَ﴾ في الموضعين، ورفع ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾ اسماً لكان، ونصب ﴿يَهُودِيًّا﴾ و﴿نَصْرَانِيًّا﴾ و﴿حَنِيفًا﴾ و﴿مُّسْلِمًا﴾ أخباراً لكان، وجر ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾ بالياء لأنه جمع مذكر سالم (التيسير للداني، ص٨٦)مصدر غير محدد٨٦.
أسباب النزول وسياق الأثر:
حسم قرآني إلهي قطعي لنزاع أهل الكتاب حول هوية إبراهيم عليه السلام؛ فبرأه الله من التهوّد والتنصّر والشرك، وأثبت له ملة الحنيفية الإسلامية الخالصة.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: "برأ الله نبيه وخليله إبراهيم مما ادعاه اليهود والنصارى من الكفر والبدع، وأخبر أنه كان موحداً مخلصاً لله لا يشرك به شيئاً، مقبلاً على طاعة ربه، مستسلماً لأمره" (تفسير الطبري، ج٥، ص٤٦٠)مصدر غير محدد٥/٤٦٠.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً
نفي قاطع للانتساب المذهبي والشركيات الحادثة في الديانتين المحرفتين.
الحنيف
في لسان العرب هو المائل؛ والمراد به المائل عن الشرك والضلال إلى التوحيد والاستقامة، الثابت على الحق الذي لا يزيغ عنه، وكل من استقام على دين إبراهيم سُمي حنيفاً.
مسلماً
منقاداً خاضعاً لله بالتوحيد، مخلصاً العبادة له وحده لا شريك له.
وما كان من المشركين
تعريض صريح بشرك اليهود (بقولهم عزير ابن الله وتجسيمهم) وشرك النصارى (بقولهم المسيح ابن الله وتثليثهم)؛ فنفى عن الخليل كل شائبة من شوائب شركهم.
ما نافية، كان فعل ماض ناقص، إبراهيم اسمها مرفوع، يهودياً خبرها منصوب، والواو عاطفة ولا نافية لتأكيد النفي، نصرانياً معطوف منصوب.
وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا
الواو عاطفة، لكن حرف استدراك لا عمل له، كان ناقصة واسمها ضمير مستتر تقديره هو، حنيفاً خبر أول، مسلماً خبر ثانٍ (أو نعت لحنيفاً).
وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
الواو عاطفة مؤكدة، ما نافية، كان فعل ماض ناقص واسمها هو، ومن المشركين جار ومجرور في محل نصب خبر كان.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تتويج ناصع للبراهين السابقة: بعد أن وبخهم على التناقض الزمني ﴿وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِن بَعْدِهِ﴾، ووبخهم على الخوض بلا علم ﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ﴾، جاء هذا النص الصريح ليثبت البديل الحق والهوية الحقيقية لإبراهيم: إنه الحنيف المسلم، وهو تقعيد لمفهوم الدين الواحد الممتد عبر النبوات.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة: كيف يكون إبراهيم مسلماً والإسلام نزل على محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن؟:
المحاكمة العقلية والتحقيق العقدي القاطع:
١. الإسلام في حقيقته الشرعية هو: الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله. وهذا هو جوهر دين جميع الأنبياء من آدم ونوح وإبراهيم إلى محمد صلى الله عليهم أجمعين.
٢. إبراهيم عليه السلام هو الذي سمى أهل التوحيد بالمسلمين بنص القرآن: ﴿مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨].
٣. تبرئة إبراهيم من الشرك ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ رد عقلي بليغ على الفريقين؛ لأن كلاً من اليهود والنصارى دخلهم الشرك من أوسع أبوابه (تأليه العباد وتقديس الأحبار)، فكيف يدعون وصال الموحد الأكبر إبراهيم وهم يمارسون الشرك عياناً؟!(الدرء لابن تيمية، ج١، ص١٤٠؛ شفاء العليل لابن القيم، دار التراث، ص٦٥).
أسلوب النفي والاستدراك: نفي المسميات الطارئة المحرفة ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾، ثم استدراك الحقيقة الأصلية ﴿وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا﴾، وهو أبلغ في ترسيخ الحقيقة ودحض الباطل.
التذييل الصاعق ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ نسف مبطن لكل دعاوى أهل الكتاب بالتوحيد الخالص، وكشف لانحرافاتهم الشركية المستترة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الدعوي والتربوي:
نقاء الهوية والانتساب إلى الحق المحض دون الأسماء المبتدعة والعصبيات الحزبية.
أن معيار القرب من إبراهيم ليس بالنسب العرقي الجسدي بل بالتوحيد والاتباع الصادق.
الوجدان الإيماني:
حب الخليل إبراهيم عليه السلام والاعتزاز بالانتساب إلى ملته الحنيفية السمحة، التي أحياها الله وأظهرها بخاتم رسله محمد صلى الله عليه وسلم.