وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
القراءات المتواترة والتوجيه:
أجمع القراء العشرة على فتح دال ﴿وَلَقَدْ﴾، ونصب راء ﴿نَصَرَكُمُ﴾ والكاف مفعول به وضم الميم للجمع، وكسر بائي ﴿بِبَدْرٍ﴾ وتنوينها بالجر مصرفاً، وتنوين ﴿أَذِلَّةٌ﴾ بالرفع خبراً لأنتم، ورفع ﴿تَشْكُرُونَ﴾ بالواو والنون (التيسير للداني، ص٩٠)مصدر غير محدد٩٠.
أسباب النزول وسياق الأثر:
تذكير إلهي بيوم بدر العظيم (رمضان سنة ٢ هـ)؛ حين نصر الله الفئة المؤمنة القليلة المستضعفة على صناديد قريش وكبرائها، وذلك لتثبيت قلوبهم يوم أحد ودفع مشاعر الخوف والتردد عنهم.
أخرج البخاري في صحيحه (رقم: ٣٩٥٣)مصدر غير محددحديث رقم ٣٩٥٣ ومسلم (رقم: ١٧٦٣)مصدر غير محددحديث رقم ١٧٦٣ من حديث عبد الله بن عباس وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال: "نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين يوم بدر وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلاً، فاستقبل القبلة ثم مد يديه وجعل يهتف بربه: اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تُعبد في الأرض... فأنزل الله النصر".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
ببدر
موضع ماء وقرية مشهورة بين مكة والمدينة، نسبت إلى بدر بن الحارث، وفيها وقعت أولى المعارك الفاصلة بين الحق والباطل.
وأنتم أذلة
الأذلة جمع ذليل، والمراد هنا قلة العدد وضعف العدة والعتاد وقلة السلاح والمراكب مقارنة بجيش المشركين الجرار؛ ولم يكن ذلاً في الدين ولا في النفوس، بل كان نقصاً في الموازين المادية الظاهرة.
فاتقوا الله لعلكم تشكرون
بطاعته والتزام أمره، فالشكر الحقيقي يكون بالتقوى والاستقامة.
وَلَقَدْ
الواو استئنافية، اللام واقعة في جواب قسم مقدر، قد حرف تحقيق.
نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ
نصركم فعل ومفعول به، الله فاعل مرفوع، ببدر متعلقان بنصركم.
وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ
الواو حالية، أنتم مبتدأ، أذلة خبر مرفوع، والجملة الاسمية في محل نصب حال من كاف نصركم.
فَاتَّقُوا اللَّهَ
الفاء فصيحة، اتقوا أمر وفاعله، الله مفعول به.
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
لعل واسمها وجملة تشكرون خبرها، والجملة تعليلية.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
استدعاء نفسي وتاريخي باهر لمعركة بدر في قلب أحداث أحد: لما حدثهم عن هم الطائفتين بالفشل في أحد، ذكّرهم بيوم بدر الذي كان بالأمس القريب؛ ليقول لهم: إن النصر ليس منوطاً بكثرة العدد ولا بضخامة السلاح؛ فقد كنتم في بدر أقل عدداً وأضعف عدة ونصركم الله نصراً مؤزراً أذل كبرياء قريش، فالذي نصركم في بدر وأنتم أذلة قادر على نصركم في أحد ما دمتم متمسكين بالتقوى والتوكل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة وصف المؤمنين بـ "أذلة" وتوجيه هذا اللفظ شرعاً ولغة:
كيف يصف القرآن خيرة الصحابة وبدرييهم بأنهم "أذلة" مع قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]؟
المحاكمة العقلية والدلالة اللغوية الدقيقة:
١. الذلة المذكورة هنا ليست ذلة الهوان والضعة والخنوع، بل هي "ذلة القلة والافتقار المادي" في موازين الدنيا، بدليل أنهم كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، ليس معهم إلا فرسان وسبعون بعيراً يعتقبون عليها، وقريش بألف مقاتل معهم مائة فرس وسائر الدروع والسلاح.
٢. الذلة إلى الله والتواضع لجلاله: كان حال الصحابة في بدر قمة التذلل والافتقار إلى الله واستنزال نصره، ومن تواضع لله وذل بين يديه أعزه الله على خلقه ورفع شأنه، فكانت ذلتهم لله سبب عزهم على المشركين (مدارج السالكين لابن القيم، ج٢، ص٣١٠؛ تفسير القرطبي، ج٤، ص١٩٠).