أخرج ابن أبي حاتم (الرقم: 3108)مصدر غير محددحديث رقم ٣١٠٨ وابن جرير في «جامع البيان» (6/360)جامع البيانالطبري٦/٣٦٠ عن ابن عباس وقتادة والسدي قالوا: «لما رأى زكريا فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف عند مريم، طمع في الولد على كبر سنه وعقم امرأته، فقال في نفسه: إن الذي يقدر على إتيان مريم بفاكهة الصيف في الشتاء من غير زمانها ولا أوانها، قادر على أن يرزقني ولداً من عاقر في غير أوانه وزمانه، فقام في المحراب ودعا ربه متضرعاً خفياً».
ضبط القراءات والروايات المتواترة:
قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ﴾: اسم إشارة للمكان أو الزمان البعيد، وفتح اللام والكاف.
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
هُنَالِكَ: ظرف زمان أو مكان ممتد، واللام للبعد والكاف للخطاب؛ أي في ذلك الوقت وتلك اللحظة الشريفة عند رؤية الآية الكريمة، تحرك قلبه وانبعث أمله في ربه.
ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً: الطيب هنا يجمع نقاء السريرة، وبر الوالدين، وصلاح الدين، وسلامة المعتقد؛ فلم يسأل مجرد ولد يتكاثر به، بل قيده بالطيب والبركة ليرث النبوة وخدمة الدين.
سَمِيعُ الدُّعَاءِ: صيغة مبالغة تفيد السماع المقرون بالإجابة والقبول؛ كقول المصلي: «سمع الله لمن حمده» أي استجاب وتقبل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
انتقال شعلة الإيمان من كرامة مريم إلى دعوة زكريا:
روعة النظم القرآني في كلمة ﴿هُنَالِكَ﴾: فالكرامة التي أجراها الله لمريم لم تكن مجرد إطعام، بل كانت هزة إيمانية عنيفة أحيت الأمل في قلب الشيخ الهرم زكريا؛ فاستغل اللحظة النورانية وتوجه بالدعاء المستحيل بمقاييس البشر، ليبرهن أن قلوب الأنبياء تتلقف آيات الله وتترجمها فوراً إلى يقين ودعاء وعمل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
طلب الذرية مع الكبر والعقم بميزان القدرة الإلهية:
المحاكمة العقلية الصافية: الأسباب الطبيعية ليست فاعلة بذاتها، بل هي خاضعة لمسبب الأسباب؛ فالذي خرق قانون فصول السنة وأوجد ثمار الصيف في الشتاء قادر على خرق قانون البيولوجيا وإخصاب الرحم العاقر وتجديد حيوية النطفة الهرمة، فكان طلب زكريا عين الحكمة والعقل المبني على المشاهدة اليقينية.