قرأ حفص عن عاصم وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي ﴿يَبْغُونَ﴾ بالياء التحتية على الغيبة عائداً على الفاسقين المتولين، وقرأ نافع ويعقوب وأبو جعفر وشعبة عن عاصم ﴿تَبْغُونَ﴾ بتاء الخطاب على الالتفات التوبيخي المباشر لأهل الكتاب.
قرأ حفص عن عاصم وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي ﴿يُرْجَعُونَ﴾ بالياء التحتية مضمومة مبنياً للمفعول على الغيبة، وقرأ نافع ويعقوب وأبو جعفر وشعبة ﴿تُرْجَعُونَ﴾ بتاء الخطاب، والقراءتان متواترتان في الإخبار عن مصير الخلائق ورجوعهم المحتوم إلى الحكم العدل (النشر في القراءات العشر لابن الجزري، ج٢، ص٢٤٤)مصدر غير محدد٢/٢٤٤.
أسباب النزول وسياق الأثر:
استنكار كوني عام على كل من رغب عن الإسلام وابتغى ديناً غيره من الأديان الباطلة المحرفة، في حين أن الكون بأسره -بسماواته وأرضه وملائكته وأفلاكه ومخلوقاته- منقاد مستسلم لله طوعاً وكرهاً.
روى الطبري (ج٥، ص٥٤٥)مصدر غير محدد٥/٥٤٥ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والحسن البصري قالوا: "﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾: هو الإسلام الذي بعث الله به رسله، ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾؛ فالمؤمن أسلم طوعاً ورضى، والكافر أسلم كرهاً حين يبتلى بالمصائب والأمراض وحين تنزل به سكرات الموت، وخضعت لربها سائر الخلائق في أقداره وتدبيره".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
أفغير دين الله
الهمزة لإنكار الشأن والتعجيب من ضلالهم، ودين الله هو الإسلام الحق القائم على التوحيد.
الطوع هو الانقياد بمحبة واختيار (وهو حال الملائكة والمؤمنين)، والكره هو الخضوع للجريان القدري القاهر الذي لا يملك أحد الخروج عنه (وهو خضوع الكفار لنواميس المرض والعجز والموت والفناء وسائر الأقدار).
وإليه يرجعون
البعث والنشور والحساب الأخروي الذي لا مهرب منه.
أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ
الهمزة للإنكار والتعجيب، الفاء عاطفة على مقدر، غير مفعول به مقدم ليبغون منصوب، ودين مضاف إليه، والله مضاف إليه ثانٍ، يبغون مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل.
وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
الواو حالية، له جار ومجرور متعلقان بأسلم مقدم لإفادة القصر، أسلم فعل ماض، من اسم موصول فاعل، في السماوات صلة الموصول، والأرض معطوف عليه.
طَوْعًا وَكَرْهًا
حالان منصوبتان من فاعل أسلم (أو مفعول مطلق لفعل محذوف أي يطيعون طوعاً ويكرهون كرهاً).
وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ
الواو عاطفة، إليه متعلقان بيرجعون مقدم للحصر، يرجعون مضارع مبني لما لم يسم فاعله مرفوع بثبوت النون والواو نائب فاعل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تناغم كوني مهيب يخرس ألسنة المكذبين: بعد أن بين الميثاق الشرعي للنبيين في الآية السابقة، وضع هنا "الميثاق الكوني الوجودي"؛ ليقول لهؤلاء المعرضين: انظروا إلى الوجود من حولكم، سماواته وأراضيه، ملائكته وأفلاكه، جماداته وأحياءه، كلها خاضعة ساجدة مسلمة لربها طوعاً وكرهاً، فكيف تشذون أنتم وحدكم عن هذا التناغم الكوني فتبغون ديناً غير دين الله؟! إن شذوذكم عن الإسلام تمرد شنيع على نواميس الكون كله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة: كيف يقال "وله أسلم من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً" مع وجود الكفار والملاحدة في الأرض؟:
المحاكمة العقلية والتحقيق السلفي الدقيق:
الإسلام في الآية جاء بالمعنى العام الكلي المحيط، وهو ينقسم إلى قسمين:
١. الإسلام الديني الشرعي الاختياري: وهو الانقياد بالتوحيد والطاعة الشرعية، وهذا خاص بالملائكة والمؤمنين وهو المراد بقوله ﴿طَوْعًا﴾.
٢. الإسلام الكوني القدري الجبري: وهو خضوع جميع الكائنات (بما فيها الكافر والملحد) لمشيئة الله التكوينية، فجسد الكافر، ونبضات قلبه، وسريان دمه، وتنفسه، ومرضه، وهرمه، وموته، كلها تجري خاضعة منقادة لقهر الله وقدره رغماً عنه لا يملك لها دفعاً ولا تحويلاً، وهو المراد بقوله ﴿كَرْهًا﴾. فبهذا التحقيق لا يخرج كائن في الوجود عن الخضوع والاستسلام لله الواحد القهار (مدارج السالكين، ج١، ص١٨٠-١٩٠؛ مجموع الفتاوى لابن تيمية، ج٨، ص٦٥-٧٠).
تقديم المفعول به ﴿أَفَغَيْرَ﴾ لإنكار المفعول واستبشاعه؛ فطلب غير دين الله أمر فظيع تنفر منه الفطرة السليمة.
تقديم الجار والمجرور ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ﴾ و﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ لإفادة الاختصاص والحصر؛ فلا استسلام ولا مرجع إلا إلى الخالق المدبر سبحانه.
الطباق البديع بين ﴿السَّمَاوَاتِ / وَالْأَرْضِ﴾ وبين ﴿طَوْعًا / وَكَرْهًا﴾ لاستيعاب كافة مراتب الوجود وحالات الكائنات.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الدعوي والتربوي:
إدراك أن الإسلام هو دين الوجود المتسق مع نواميس الكون وفطرة الخليقة؛ فالكفر نشاز وغربة في هذا الكون الساجد.
دعوة الناس إلى الاستسلام الطوعي لله قبل أن يُلجأوا إلى الاستسلام القهري بالموت وسكراته.
الوجدان الإيماني:
شعور المؤمن بالأنس والسكينة في هذا الكون؛ فهو يعلم أنه بصلاته وعبادته متناغم مع تسبيح السماوات والأرض والملائكة والعرش، فيفيض قلبه حمداً لله وشكراً على نعمة الهداية.