أخرج ابن جرير الطبري (6/352)مصدر غير محدد٦/٣٥٢ وابن أبي حاتم (الرقم: 3098)مصدر غير محددحديث رقم ٣٠٩٨ والحاكم (2/290)مصدر غير محدد٢/٢٩٠ وصححه عن ابن عباس ومجاهد قالا: «أخذت امرأة عمران مريم في خرقها وحملتها إلى بيت المقدس فوضعتها عند الأحبار وقالت: دونكم هذه النذيرة، فتنافس فيها أحبار بيت المقدس لأنها بنت إمامهم عمران، فاقترعوا عليها بأقلامهم التي يكتبون بها التوراة، فجرت الأقلام في النهر وصعد قلم زكريا عليه السلام فوق الماء وثبت، فكفلها زكريا لأنه كان نبي زمانهم وزوج خالتها (أو أختها)».
وروى مجاهد وعكرمة وقتادة في قوله: ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ قالوا: «كان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، غضة طرية لم تنبت في أرضهم، فيقول: يا مريم، أنى لك هذا؟! فتقول: هو من عند الله».
ضبط القراءات والروايات المتواترة:
قوله تعالى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾: قرأ الكوفيون (عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف) بتشديد الفاء ونصب زكريا مفعولاً ثانياً: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ على أن الفاعل هو الله؛ أي جعل زكريا كافلاً لها، وقرأ الباقون بتخفيف الفاء ورفع زكريا فاعلاً: ﴿وَكَفَلَهَا زَكَرِيَّاءُ﴾ بالهمز والمد عند الحرميين وأبي عمرو، أو بالقصر بلا همز ﴿زَكَرِيَّا﴾ عند الكوفيين والشاميين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
بِقَبُولٍ حَسَنٍ: القبول مصدر قَبِلَ، وحسن القبول هو الرضا التام والاعتناء الفائق بها وبنذرها وتطهيرها ورعايتها.
وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا: استعارة تمثيلية بارعة لنشأتها ونموها؛ شبه نموها في العفة والجمال والكمال الروحي والبدني بالنبات الطيب في الأرض الخصبة الزكية.
الْمِحْرَابَ: المحراب هو أشرف مجالس البيت أو المعبد وأرفعها موضعاً، ومصلى مريم الخاص الذي اعتزلت فيه للعبادة في المسجد الأقصى.
أَنَّى لَكِ هَذَا: «أنّى» اسم استفهام بمعنى: من أين وكيف تيسر لك هذا الرزق الفائق؟
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إثبات كرامات الأولياء تمهيداً للمعجزة الكبرى:
خرق الله العادة لمريم في طفولتها بإحضار فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف رزقاً كرامياً خالصاً؛ ليكون هذا الخرق الحسي توطئة وتمهيداً في نفس زكريا ليسأل الولد المستحيل، وتمهيداً لنفس مريم لتتقبل الحمل الخارق للمألوف بغير زوج.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
المحاكمة العقدية والقرآنية الصريحة: الآية نص صريح قاطع على ثبوت الكرامة لخيرة الأولياء؛ فمريم صديقة عابدة وليست بنبية بنص الإجماع، ومع ذلك وجد عندها زكريا النبي رزقاً خارقاً للعادة، وكرامة الولي هي في الحقيقة معجزة للنبي الذي يتبعه الولي، وتأييد لدين التوحيد.
أدب الصديقين في رد النعم إلى المنعم الحقيقي جل وعلا بلا تفاخر ولا عجب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
كفالة اليتيم ورعاية الصالحين:
فضيلة كفالة زكريا لمريم تؤصل لواجب العلماء والموسرين في احتضان الأيتام والنابغين وتوفير البيئة الإيمانية الحامية لنشأتهم.
اليقين بالرزق الإلهي اللامحدود:
كلمة مريم الخالدة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ تزرع في قلب المؤمن التوكل التام، وتفتح له أبواب الأمل حين تنقطع الأسباب الأرضية.