وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
القراءات المتواترة والتوجيه:
أجمع القراء العشرة على فتح لام ﴿قَالَ﴾ ونصب سين ﴿النَّاسُ﴾ الأولى فاعلاً لـ قال، وكسر همزة ﴿إِنَّ النَّاسَ﴾ بعد القول ونصب السين الثانية اسماً لـ إنّ، ونصب ﴿إِيمَانًا﴾ على التمييز المحول عن الفاعل أو المفعول به الثاني لـ (زادهم)، وتسكين سين ﴿حَسْبُنَا﴾ وضم كاف ﴿الْوَكِيلُ﴾ (التيسير، ص٩٢؛ الدر المصون، ج٣، ص٤٥٢).
أسباب النزول وسياق الأثر:
نزلت في شأن غزوة حمراء الأسد، أو في غزوة "بدر الصغرى" (بدر الموعد في شعبان سنة ٤ هـ)، حين تواعد أبو سفيان مع النبي صلى الله عليه وسلم على اللقاء ببدر، ثم خاف أبو سفيان من مواجهة المسلمين، فمر بركب من عبد القيس متجهين إلى المدينة، فدفع إليهم أجرهم وجعل لهم جِعلاً من الزبيب إن هم ثبطوا محمداً وأصحابه وأخبروهم أن قريشاً قد جمعت لهم جيوشاً هائلة لا قبل لهم بها ليخافوا ولا يخرجوا.
فلما قدم الركب المدينة وأشاعوا ذلك بين المسلمين وقالوا: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، لم يزد ذلك النبي وأصحابه إلا ثباتاً ويقيناً وخرجوا إلى بدر الموعد وقالوا: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾!
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب التفسير، باب قوله: الذين قال لهم الناس، رقم: ٤٥٦٣)مصدر غير محددحديث رقم ٤٥٦٣ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ قالها إبراهيم عليه السلام حين أُلقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
الناس الأولى
نعيم بن مسعود الأشجعي أو ركب عبد القيس (أطلق الجمع على المفرد أو الجماعة المحدودة).
الناس الثانية
أبو سفيان وجيش قريش وأحلافهم من مشركي العرب.
جمعوا لكم
حشدوا الجيوش والأسلحة لاستئصالكم وسحقكم.
فزادهم إيماناً
زادهم سماع ذلك التهديد رسوخاً وتصديقاً بوعد الله واستبسالاً في نصرة دينه.
حسبنا الله
كافينا الله في دفع كل شر ومكروه، والحسب هو الكفاية.
نعم الوكيل
نعم المفوض إليه تدبير الأمور وحفظ العباد وكفايتهم.
الَّذِينَ
اسم موصول في محل جر بدل من (الذين أحسنوا) أو نعت له (أو في محل رفع مبتدأ).
قَالَ لَهُمُ النَّاسُ
قال ماض، لهم متعلق به، الناس فاعل، والجملة صلة الموصول.
إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ
جملة مقول القول، إن واسمها، قد حرف تحقيق، جمعوا ماض وفاعله خبر إن، ولكم متعلق بجمعوا.
فَاخْشَوْهُمْ
الفاء فصيحة، اخشوهم فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل والهاء مفعول به.
فَزَادَهُمْ إِيمَانًا
الفاء عاطفة تفيد السببية، زادهم ماض والفاعل مستتر يعود على القول، والهاء مفعول أول، إيماناً مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة (أو تمييز).
وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
عاطفة، قالوا ماض وفاعله، حسبنا مبتدأ ونا مضاف إليه، الله خبر المبتدأ (أو العكس)، ونعم فعل ماض لإنشاء المدح، الوكيل فاعل نعم، والمخصوص بالمدح محذوف تقديره هو، والجملة مقول القول.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
قانون سيكولوجي إيماني قرآني فريد في مواجهة "الحرب النفسية والدعاية الإرجافية المضادة"؛ فالعدو يستخدم أسلوب التخويف بحشد الأعداد الهائلة لبث الرعب وشل الإرادة (فاخشوهم)، ولكن النتيجة في الصف الإيماني الراسخ جاءت معاكسة تماماً لمكر الأعداء: (فزادهم إيماناً)! فكلما ازداد التهديد واشتد الحصار، كلما تفجرت طاقات الإيمان واليقين في قلوب المؤمنين، وفزعوا إلى الكافي الأعظم رافعين شعار التوكل المطلق: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
البرهان على "زيادة الإيمان ونقصانه" من صريح القرآن:
تقرر الآية بحكم قطعي مذهب أهل السنة والجماعة في أن "الإيمان يزيد وينقص"؛ رداً على المرجئة والجهمية الذين زعموا أن الإيمان شيء واحد مجرد لا يزيد ولا ينقص ولا يتفاضل! فقوله تعالى: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ نص صريح في زيادة الإيمان باليقين والعمل والجهاد عند ملاقاة الشدائد، وإذا ثبتت الزيادة ثبت النقصان بالضرورة العقلية؛ فالإيمان شجرة تنمو بالطاعات والأزمات وتذبل بالمعاصي والغفلات (مجموع الفتاوى لابن تيمية، ج٧، ص٢٢٠؛ شرح صحيح مسلم للنووي، ج١، ص١٤٦).
إطلاق العام وإرادة الخاص: في ﴿قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا﴾؛ فالناس الأولى فرد أو نفر قليل، والناس الثانية جيش قريش؛ واستعمال اللفظ العام لتهويل الأمر وإبراز قوة الإشاعة.
التعبير بالكلمة الجامعة ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾: كلمة الأمان الإلهي ودرع الموحدين؛ تتضمن كمال التفويض وتجريد التوحيد والاستغناء بالله عن كل قوة في الكون.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
سلاح "حسبنا الله ونعم الوكيل" عند اشتداد الكروب وتكالب الأعداء وحروب التخويف والإرجاف.
رفض الاستسلام للهزيمة النفسية أمام تفوق العدو العددي أو العسكري، واليقين بأن قوة الله فوق كل قوة.