أجمع القراء العشرة على مد همزة ﴿وَآتِنَا﴾ فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة، وتسكين دال ﴿وَعَدتَّنَا﴾ وإدغامها في التاء، وضم راء وسين ﴿رُسُلِكَ﴾، وتسكين خاء وكسر زاي ﴿وَلَا تُخْزِنَا﴾، وكسر ميم ﴿الْمِيعَادَ﴾ من الوعد (النشر في القراءات العشر، ج٢، ص٢٥٦؛ التيسير، ص٩٤).
سياق الأثر:
استكمال للدعاء الخاشع والرجاء العظيم في نيل ما وعد الله به أولياءه ورسله من النصر والتمكين في الدنيا ودخول الجنات ورؤية وجهه الكريم في الآخرة، مع كمال الثقة بصدق وعد الله الذي لا يتخلف.
أخرج ابن جرير الطبري (ج٥، ص١٠١٨)مصدر غير محدد٥/١٠١٨ عن ابن عباس ومجاهد قالا: "﴿مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ﴾ أي على ألسنة رسلك من الثواب والمغفرة لمن آمن وعمل صالحاً، ﴿وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي لا تفضحنا بذنوبنا على رؤوس الأشهاد، ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ ثناء وتصديق جازم بوعد الله الحق".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
على رسلك
على ألسنة رسلك وكتبهم وبواسطتهم.
الميعاد
الوعد المؤكد المحتوم الذي لا خلف فيه ولا تبديل.
رَبَّنَا
منادى مضاف والواو عاطفة للدعاء على ما قبله.
وَآتِنَا
الواو عاطفة، آتنا فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة والفاعل مستتر ونا مفعول به أول.
مَا وَعَدتَّنَا
ما موصولة مفعول به ثانٍ، وعدتنا ماض والتاء فاعل ونا مفعول أول والمفعول الثاني محذوف، والجملة صلة ما.
عَلَىٰ رُسُلِكَ
متعلق بوعدتنا؛ وتضمينه معنى الإنزال؛ أي ما أنزلته إلينا ووعدتنا به على ألسنة رسلك.
وَلَا تُخْزِنَا
الواو عاطفة، لا ناهية للدعاء جازمة، تخزنا مضارع مجزوم بحذف حرف العلة والفاعل مستتر ونا مفعول به.
يَوْمَ الْقِيَامَةِ
ظرف زمان متعلق بتخزنا.
إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ
جملة تعليلية مؤكدة، إن واسمها، لا نافية، تخلف مضارع والفاعل مستتر، الميعاد مفعول به، والجملة خبر إن.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما ألطف هذا التدرج الوجداني؛ فلما سألوا في الآية السابقة التخلية والتطهير: (فاغفر لنا، وكفر عنا، وتوفنا مع الأبرار)، سألوا هنا التحلية ونيل العطاء الأوفى: (وآتنا ما وعدتنا على رسلك)، ثم ختموا بالاستجارة من الفضيحة في المحشر: (ولا تخزنا يوم القيامة)، وتوجوا كل ذلك بالشهادة التوحيدية المطلقة لكمال صدق الله ووفائه: (إنك لا تخلف الميعاد).
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دفع شبهة سؤال ما هو موعود ومقطوع بوقوعه:
قد يسأل سائل: إذا كان الله تعالى لا يخلف الميعاد بنص الآية ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾، فما فائدة دعائهم وسؤالهم: ﴿وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا﴾؟
ثانياً: الوعد الإلهي بالجنة والمغفرة مشروط بـ "الموافاة على الإيمان والتقوى وحسن الخاتمة"، والمؤمن لا يضمن ثبات قلبه ولا يدري بما يُختم له؛ فسؤالهم هنا هو سؤال الثبات على الإيمان المؤهل لنيل ذلك الوعد، وسؤال أن يجعلهم الله من أهل ذلك الوعد لا من المحرومين.
ثالثاً: أن جعل الدعاء سبباً لتحقيق الموعود كجعل العمل سبباً للجزاء (مجموع فتاوى ابن تيمية، ج٨، ص٢١٥؛ تفسير القرطبي، ج٤، ص٢٦٥).
التضمين في قوله ﴿عَلَىٰ رُسُلِكَ﴾: ضُمّن الوعد معنى الإنزال والتبليغ؛ فلذا عُدي بـ (على) بدلاً من اللام، للدلالة على علو شأن الرسل ورفعة ما حملوه من عهود السماء.
التذييل بـ ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾: منتهى الثقة واليقين بحقائق الوحي والربوبية؛ فخلف الميعاد نقص وقبح يستحيل على كمال الإله العليم القادر الوفي سبحانه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
مشروعية التوسل بوعد الله وفضله؛ فالله يحب من عباده أن يسألوه ما وعدهم به في كتابه وسنة رسوله.
قوة اليقين بالله تعالى وتصديق وعده؛ مما يملأ القلب شجاعة واستعلاءً على مصاعب الدنيا.