قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر (شعبة): ﴿لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا يَكْتُمُونَهُ﴾ بياء الغيبة في الفعلين؛ إخباراً عن الذين أوتوا الكتاب.
وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص وأبو جعفر ويعقوب وخلف العاشر: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ بتاء الخطاب في الفعلين؛ على حكاية لفظ الميثاق واليمين التي خوطبوا بها (النشر في القراءات العشر، ج٢، ص٢٥٥؛ التيسير، ص٩٣).
أسباب النزول وسياق الأثر:
فضح لخيانة علماء أهل الكتاب وأحبارهم للميثاق الغليظ الذي أخذه الله عليهم ببيان صفة النبي محمد صلى الله عليه وسلم والتبشير به في كتبهم، وبيان أحكام الشريعة للناس بلا تحريف، فخانوا الأمانة وكتموا الحق حرصاً على مكاسب مادية رخيصة.
أخرج ابن جرير الطبري (ج٥، ص٩٩٢)مصدر غير محدد٥/٩٩٢ عن ابن عباس قال: "نزلت في أحبار يهود بالمدينة؛ أخذ الله عليهم الميثاق في التوراة أن يبينوا شأن محمد صلى الله عليه وسلم ونعته ورسالته للناس ولا يكتموه، فنبذوا ذلك الميثاق وراء ظهورهم طلباً للرياسة والرشا التي يصيبونها من سفلتهم".
وأخرج الإمام أحمد وأصحاب السنن (أبو داود، رقم: ٣٦٦٤؛ الترمذي، رقم: ٢٦٤٩) وصححه الحاكم والنووي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سئل عن علم علمه ثم كتمه، أُلجم يوم القيامة بلجام من نار".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
الميثاق
العهد المؤكد الموثق بالإيمان والعهود والوعيد الشديد.
لتبيننه للناس
البيان هو الإيضاح والكشف التام لأحكام الكتاب وصفة الرسول.
فنبذوه وراء ظهورهم
النبذ هو الطرح والإلقاء باحتقار وإهمال؛ وجعله وراء الظهر تمثيل لشدة الإعراض وترك العمل به بالكلية.
ثمناً قليلاً
حطام الدنيا الزائل من الأموال والرشا والرياسات الباطلة.
وَإِذْ
الواو استئنافية، إذ ظرف لما مضى من الزمان مفعول به لفعل محذوف تقديره (واذكر إذ).
أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ
أخذ ماض، الله فاعل، ميثاق مفعول به منصوب.
الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ
الذين مضاف إليه، أوتوا ماض مبني للمجهول ونائب فاعل، الكتاب مفعول ثانٍ، والجملة صلة الموصول.
لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ
اللام واقعة في جواب القسم الذي دل عليه الميثاق، تبيننه مضارع مرفوع بالنون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو المحذوفة فاعل، والنون للتوكيد والهاء مفعول به، للناس متعلق بتبيننه.
وَلَا تَكْتُمُونَهُ
معطوف عليه، والهاء مفعول به.
فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ
الفاء عاطفة للتعقيب، نبذوه ماض وفاعله ومفعوله، وراء ظرف مكان متعلق بنبذوه، ظهورهم مضاف إليه.
وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا
معطوف على نبذوه، به متعلق باشتروا، ثمناً مفعول به، قليلاً نعت.
فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ
الفاء استئنافية، بئس ماض لإنشاء الذم، ما نكرة موصوفة في محل نصب على التمييز وفاعل بئس مستتر (أو ما فاعل بئس)، يشترون صلة ما والمخصوص بالذم محذوف تقديره (اشتراؤهم ذلك الثمن القليل).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تحذير مروع وصاعق لعلماء الأمة الإسلامية وحملة القرآن من السقوط في مستنقع "خيانة العلم وكتمان الحق" الذي سقط فيه أحبار يهود؛ فبعد أن أمرهم بالصبر والتقوى في مواجهة أذى أهل الكتاب، كشف هنا عن سبب سقوط أولئك الأحبار: إنهم أضاعوا أمانة الوحي وكتموا الحق من أجل لعاعة دنيوية رخيصة! فجاء الترهيب القرآني ليحمي علماء المسلمين من كتمان الحق خوفاً من سلطان أو طمعاً في دنيا.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
المحاكمة العقلية لخيانة العالم الرباني:
تحاكم الآية تصرف العالم الخائن للأمانة: العالم أوتي أجلّ نعمة في الوجود وهو العلم الشرعي المعصوم ونور الوحي؛ فإذا استخدم هذا النور للتجارة الدنيوية وكتم الحق إرضاءً لأهواء الناس أو للحكام، كان كمن باع جوهرة لا تقدر بثمن بحفنة من التراب العفن! فكل متاع الدنيا - لو حيز للعالم كله - قليل تافه لا يوازي قطرة في بحر عذاب النار؛ فبئس الصفقة وبئس الشراء (مجموع الفتاوى لابن تيمية، ج١٤، ص٢٥٠؛ الكشاف للزمخشري، ج١، ص٤٤٥).
التمثيل والاستعارة المركبة في ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾: تصوير تمثيلي شنيع لإعراضهم عن ميثاق الله؛ كمن تناول وثيقة مقدسة فألقاها خلف ظهره إمعاناً في الاستخفاف بها وتضييعها.
الجمع بين الأمر بالبيان والنهي عن الكتمان: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ... وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾؛ لتأكيد الوجوب؛ فالسكوت عن الحق كتمان له، والمطلوب الصدع بالحق وتبيينه للناس كافة.
التذييل بإنشاء الذم المطلق: ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾؛ تقبيح للصفقة الخاسرة التي تنتهي بصاحبها إلى جهنم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
حرمة كتمان العلم الشرعي وحرمة مداهنة أهل الباطل على حساب ثوابت الدين.
صدع العلماء بالحق وأداء أمانة البلاغ والتبيين للأمة؛ فالسكوت عند الحاجة إلى البيان خيانة عظمى للأمانة.