قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية شعبة: ﴿أَن يُغَلَّ﴾ بضم الياء وفتح الغين مبنياً لما لم يسم فاعله؛ ومعناه: ما كان لنبي أن يُخان في الغنائم ويغلّه أصحابه، أو ما كان لنبي أن يُنسب إلى الغلول والخيام، أو ما كان له أن يوجَد غالّاً.
وقرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية حفص وحمزة والكسائي وأبو جعفر ويعقوب وخلف العاشر: ﴿أَن يَغُلَّ﴾ بفتح الياء وضم الغين مبنياً للمعلوم؛ ومعناه: ما صح ولا استقام ولا جاز لنبي من أنبياء الله أن يخون في الغنيمة ويكتم شيئاً منها لنفسه بغير قسمة الله؛ فالأنبياء معصومون من كل خيانة ونقص (النشر في القراءات العشر، ج٢، ص٢٤٩؛ معاني القرآن للفراء، ج١، ص٢٤٠).
أسباب النزول وسياق الأثر:
أخرج أبو داود في سننه (كتاب الجهاد، باب في تعظيم الغلول، رقم: ٢٦٩٣)مصدر غير محددحديث رقم ٢٦٩٣ والترمذي (رقم: ٣٠٠٩)مصدر غير محددحديث رقم ٣٠٠٩ وحسنه عن ابن عباس رضي الله عنهما: "أن هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ﴾ نزلت في قطيفة حمراء فُقدت يوم بدر، فقال بعض الناس: لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها، فأنزل الله تبرئة لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ﴾".
وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير الطبري (ج٥، ص٨٨٣)مصدر غير محدد٥/٨٨٣ عن قتادة ومجاهد: أن الرماة يوم أحد لما رأوا انكشاف المشركين وبداية جمع الغنائم، خشي بعضهم أن يختص أهل المعركة بالغنائم دونهم، وقالوا: نخشى أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أخذ شيئاً فهو له، ولا يقسم للرماة، فنزلوا طمعاً في الغنيمة، فأنزل الله زجراً لهم وتبرئة لرسوله: ما كان لنبي أن يخونكم ولا يوفي حقكم في الغنائم.
وأخرج البخاري في صحيحه (كتاب الأيمان والنذور، رقم: ٦٦٣٦)مصدر غير محددحديث رقم ٦٦٣٦ ومسلم (كتاب الإمارة، رقم: ١٨٣١)مصدر غير محددحديث رقم ١٨٣١ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره، ثم قال: "لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء، يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك...".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
الغلول
الخيانة في الغنيمة والأموال العامة بالسرقة أو الكتمان قبل القسمة الشرعية؛ مأخوذ من غلّ الشيء يغله غلولاً إذا أدخله في متاعه خفية، وأصله من الغل وهو إدخال الماء في أصول الشجر.
يأت بما غل يوم القيامة
يفضحه الله تعالى بحمل ذلك الشيء المغصوب أو المغلوم على رقبته ورؤوس الأشهاد يوم القيامة خزياً وتنكيلاً به.
توفى
التوفية أخذ الحق كاملاً تاماً موفوراً غير منقوص.
وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ
الواو استئنافية، ما نافية، كان ماض ناقص، لنبي جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر كان مقدم.
أَن يَغُلَّ
أن مصدرية، يغل مضارع منصوب بأن وفاعله مستتر، والمصدر المؤول في محل رفع اسم كان مؤخر.
وَمَن يَغْلُلْ
الواو استئنافية، من اسم شرط جازم مبتدأ، يغلل مضارع مجزوم فعل الشرط وحرك بالفك لضرورة الجزم.
يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
يأت جواب الشرط مجزوم بحذف حرف العلة والفاعل مستتر، بما جار ومجرور متعلقان بيأت، غل صلة ما، يوم القيامة ظرف زمان متعلق بيأت، والجملة خبر المبتدأ من.
ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ
ثم حرف عطف وتراخٍ، توفى مضارع مبني للمجهول مرفوع بضمة مقدرة، كل فاعل مؤخر (نائب فاعل) وهو مضاف ونفس مضاف إليه، ما موصولة مفعول به ثانٍ، كسبت صلتها.
وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
الواو حالية، هم ضمير منفصل مبتدأ، وجملة لا يظلمون خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال مؤكدة لعدل الله المطلق.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تنزيه مطلق وطهارة مقدسة لمقام النبوة الشريف؛ فبعد أن بين في الآيات السابقة تفاصيل المعركة وعتاب الرماة على نزولهم لطلب الغنائم، قطع هنا دابر أي وسواس شيطاني قد يخطر ببال جندي في الجيش: بأن القائد قد ينسى نصيبهم أو يحيف في القسمة أو يغل شيئاً لنفسه! فأكد القرآن بعظمة وجلال أن منصب النبوة أجلّ وأسمى من أن يقع منه خيانة في قلامة ظفر، فالأنبياء أمناء وحي الله في السماء، فكيف يخونون في حطام الدنيا الزائل؟! ثم وجه التحذير الرهيب لكل مسلم من شؤم "الغلول" وأنه خزي وفضيحة حتمية في المحشر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
البرهان العقلي على عصمة الأنبياء من الخيانة والغلول:
تقرر الآية أصلاً عقدياً إجماعياً عند أهل السنة والجماعة وهو: "وجوب عصمة الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم من الكبائر والصغائر المزرية والخيانات المالية وسائر خوارم المروءة والأمانة"؛ فالنبي مؤتمن على رسالة الخالق وشرعه وكتبه وأحكامه، ولو جاز عليه أن يخون في دينار أو ثوب لبطلت الثقة بتبليغه وانهارت حجة الرسالة من أساسها! فامتناع الغلول على الأنبياء حكم عقلي وشرعي قطعي الوجوب (تفسير الرازي، ج٩، ص٥٥؛ منهاج السنة النبوية، ج٢، ص٤١٢).
صيغة النفي التنزيهي ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ﴾: تفيد الاستحالة والامتناع الذاتي والشرعي؛ كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ﴾؛ أي لا يليق ولا ينبغي ولا يمكن أن يتأتى منه ذلك بحال.
التجسيد الفضائحي المروع في ﴿يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: تصوير مشهد الفضيحة الأخروية على رؤوس الأشهاد؛ حيث يحمل الغالّ ما سرقه من إبل أو بقر أو شاة أو مال أو سلاح فوق رقبته وصوته يعلو مفضوحاً أمام الأولين والآخرين، والجزاء من جنس العمل.
التذييل بتقرير العدل التام: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾؛ بنفي أدنى زيادة في سيئة، أو نقص من حسنة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحريم الغلول والاعتداء على "المال العام" وأموال المسلمين وممتلكات الدولة؛ فالخيانة فيها أعظم وزراً من سرقة مال الفرد؛ لأن المال العام يتعلق به حق الأمة جمعاء.
توقير مقام النبوة ومقام العلماء والقادة المصلحين، وصيانة ألسنة الجند والرعية عن إساءة الظن بهم أو اتهام ذممهم وأماناتهم بلا بينة ولا برهان.