وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
الآثار الصحيحة في التحذير من أهل الزيغ:
أخرج البخاري في «صحيحه» كتاب التفسير (الرقم: 4547)مصدر غير محددحديث رقم ٤٥٤٧ ومسلم في «صحيحه» كتاب العلم (الرقم: 2665)مصدر غير محددحديث رقم ٢٦٦٥ عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ...﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فَإِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ».
وروى ابن أبي حاتم في «تفسيره» (الرقم: 2928)مصدر غير محددحديث رقم ٢٩٢٨ عن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية قال: «المحكمات: ناسخه، وحلاله، وحرامه، وحدوده، وفرائضه، وما يؤمن به ويعمل به. والمتشابهات: منسوخه، ومقدمه، ومؤخره، وأمثاله، وأقسامه، وما يؤمن به ولا يعمل به».
قوله تعالى: ﴿أُمُّ الْكِتَابِ﴾: أفرَد «أمّ» مع كون الآيات جمعاً؛ إشعاراً بأن المحكمات في تماسكها واتفاقها ووحدة مقصدها كأنها أصل واحد ترجع إليه سائر الآيات، وقرأ حمزة والكسائي بكسر الهمزة للتجانس: ﴿إِمُّ الْكِتَابِ﴾.
مسألة الوقف على ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾:
قرأ جمهور القراء بالوقف التام على ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ والابتداء بـ ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ﴾.
وقرأ بعضهم بالوصل وجعل «الراسخون» معطوفاً على اسم الجلالة، كما تقدم تحريره.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
مُحْكَمَاتٌ: أُحكمت بالبيان، والفصل، وحسم مادة النزاع؛ فلا تحتمل إلا وجهاً مستقيماً واحداً.
أُمُّ الْكِتَابِ: الأم في كلام العرب: الأصل والمَفزع والعماد الذي يرجع إليه سائر الفروع، ومنه سميت مكة «أم القرى» والراية «أماً» لاجتماع الجيش تحتها.
مُتَشَابِهَاتٌ: تماثلت واشتبهت معانيها على الأفهام غير الراسخة، أو احتملت أوجهاً متعددة تحتاج إلى ردها للأصول المحكمة.
زَيْغٌ: الزيغ هو الميل والانحراف عن قصد السبيل والحق، ومنه زاغت الشمس إذا مالت، وزاغت الأبصار إذا مالت عن موضع الرؤية الصحيح.
الرَّاسِخُونَ: الرسوخ هو الثبوت والتمكن والاستقرار في الأرض كالطود الشامخ، يقال: رسخت الشجرة إذا تعمقت عروقها في الثرى.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
دستور الفهم والتأويل القرآني:
هذه الآية هي الميزان الكلي لسلامة الاستدلال في الشريعة كلها؛ فقد قسم الله آيات القرآن إلى قسمين:
محكمات: وهي الأكثر والأصل والعمدة (أم الكتاب).
متشابهات: وهي الأقل، وهي موطن الابتلاء والتمحيص.
ثم بين طريق أهل النجاة: وهو رد المتشابه إلى المحكم وتفسيره به فيبقى البناء متماسكاً، وفضح طريق أهل البدع: وهو عزل المتشابه والتعلق به ابتغاء تزييف العقائد وضرب القرآن بعضه ببعض.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تعلق النصارى بمتشابه القرآن (شبهة وفد نجران):
احتج وفد نجران على ألوهية عيسى بآيات متشابهة في القرآن، كقوله: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾، وقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ﴾ بضمير الجمع المعظم.
المحاكمة والرد القرآني الحاسم: هذا صنيع أهل الزيغ؛ تعلقوا بلفظ «روح منه» وتناسوا المحكم القاطع في قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ وقوله: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾؛ فالمحكم هو أصل التفسير، و«روح منه» أي روح مبتدأة ومخلوقة من عنده بأمره، كقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾، فهل السموات والأرض جزء من الله؟! حاشا وكلا!
البلاغة في التعبير بـ ﴿أُمُّ الْكِتَابِ﴾ بالإفراد:
لم يقل «أمهات الكتاب»؛ إشعاراً بوحدة الأصل المحكم واجتماع أجزائه؛ فالآيات المحكمات تلتئم كلها في عقيدة واحدة ومنهاج متسق لا اضطراب فيه.
تقديم «ابتغاء الفتنة» على «ابتغاء تأويله»:
لأن الدافع الحقيقي لأهل الأهواء هو إثارة الشبهات وتشكيك الناس وإضلالهم (الفتنة)، وإنما يتسترون وراء دعوى البحث والتحقيق الفلسفي وتأويل النصوص لتسويغ أهوائهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر الصارم من مخالطة أهل البدع والمشككين:
وصية النبي صلى الله عليه وسلم الصريحة: «فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ»؛ توجب على المسلم حماية دينه وعقله من الاستماع إلى الشبهات المنثورة في الفضائيات وشبكات التواصل، والرجوع الدائم إلى العلماء الراسخين في العلم.
التسليم الواعي والانقياد للوحي:
شعار الراسخين: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، إيمان يجمع بين تعظيم المحكم وتفهمه، والوقوف عند حدود المتشابه وإرجاع علمه وحقيقته إلى الله.